حين تستعيد الدولة قرارها… تبدأ المليشيات بخسارة الحرب

موسى المليكي
ليست كل التحولات الكبرى تُعلن في المؤتمرات الصحفية، ولا تُقاس بقوة الخطابات أو كثرة التصريحات، بل تُقرأ في القرارات التي تُعيد بناء مؤسسات الدولة، وتوحد القيادة، وتنقل زمام المبادرة من حالة التشتت إلى مشروع وطني واضح المعالم.
واليوم، تقف اليمن أمام مرحلة يراها كثيرون مختلفة عن سابقاتها؛ مرحلة عنوانها الأبرز هو استعادة الدولة لدورها في إدارة المعركة، وتعزيز حضور المؤسسات العسكرية والأمنية بوصفها الإطار الذي تُدار من خلاله الجهود الوطنية. وفي أي تجربة تاريخية، عندما تستعيد الدولة قرارها، تبدأ موازين القوة بالتغير تدريجيًا، لأن التنظيم والانضباط ووحدة القيادة عوامل تمنح أي مؤسسة قدرة أكبر على التخطيط والاستمرار مقارنة بحالة التعدد والتشتت.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن أخطر ما يواجه الدول في أوقات الصراع ليس قوة الخصوم وحدها، بل تشتت القرار داخل المعسكر الواحد. فعندما تتعدد مراكز القيادة، وتتداخل الصلاحيات، وتختلف الأولويات، يصبح تحقيق الأهداف أكثر صعوبة، مهما توفرت الإمكانات البشرية أو العسكرية.
ولهذا، فإن أي توجه نحو توحيد القرار العسكري ضمن مؤسسات الدولة يمثل خطوة محورية في بناء القدرة على إدارة الصراع بصورة أكثر فاعلية. فالجيش الذي يتحرك وفق رؤية واحدة، ويخضع لسلسلة قيادة واضحة، يكون أكثر قدرة على التنسيق والتخطيط والاستجابة للمتغيرات، مقارنة بجيش تتوزع قراراته بين غرف عمليات متعددة.
إن قوة الجيوش لا تُقاس بعدد الأفراد أو حجم العتاد فقط، وإنما بقدرتها على العمل كمؤسسة واحدة، تتحدث بلغة واحدة، وتتحرك وفق هدف واحد. فالتاريخ العسكري مليء بأمثلة لجيوش صغيرة حققت نجاحات كبيرة بفضل وحدة القيادة، كما يزخر بأمثلة لقوات كبيرة أضعفتها الانقسامات الداخلية.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار للمؤسسات العسكرية النظامية تمثل ركيزة أساسية لأي مشروع يستهدف استعادة الدولة وترسيخ سيادة القانون. فالدولة الحديثة لا تقوم على تعدد الجيوش، ولا على تباين مراكز القرار، وإنما على مؤسسة وطنية واحدة تُناط بها مسؤولية الدفاع عن البلاد، ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
ولا يقتصر بناء القوة على الجانب البري وحده، بل يشمل مختلف القدرات العسكرية التي تسهم في حماية البلاد وتعزيز جاهزية مؤسساتها الدفاعية. فامتلاك مؤسسات الدولة لقدرات متكاملة، وتطويرها بصورة منظمة، يعد جزءًا من عملية بناء الدولة نفسها، ويعكس توجهًا نحو ترسيخ الاحترافية والانضباط المؤسسي.
وفي الوقت ذاته، يظل البعد الاجتماعي عنصرًا مهمًا في استقرار الدول. فالمجتمعات المتماسكة، بمكوناتها المختلفة، تسهم في دعم مؤسسات الدولة عندما تتوافر الثقة وتلتقي الجهود حول المصلحة الوطنية العامة. وقد شهد التاريخ اليمني محطات عديدة لعبت فيها القوى المجتمعية أدوارًا مؤثرة في دعم الاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد عندما توحدت الرؤى والأهداف.
كما أن أي دولة تواجه تحديات أمنية تسعى بطبيعة الحال إلى تعزيز الرقابة على المنافذ ومكافحة التهريب بمختلف أشكاله، لما لذلك من أثر في الحد من تدفق الموارد غير المشروعة التي قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات أو تقويض الاستقرار. فإحكام الرقابة على الحدود والمنافذ يمثل جزءًا من مسؤوليات الدولة في بسط سيادتها وحماية أمنها.
لكن المعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست عسكرية فقط، بل هي معركة بناء مؤسسات، واستعادة ثقة المواطنين، وترسيخ مبدأ سيادة القانون. فالانتصارات الميدانية تظل أكثر قابلية للاستمرار عندما تقترن بمؤسسات قوية، وإدارة فاعلة، ورؤية وطنية تتجاوز الانقسامات.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أن الطريق إلى الاستقرار يبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة المرجعية الأساسية في إدارة الشأن العام، وعندما تتراجع مظاهر التشتت لصالح العمل المؤسسي المنظم. فالدولة القادرة ليست تلك التي تخوض المعارك فحسب، بل تلك التي تستطيع تحويل أي تقدم إلى استقرار دائم وتنمية مستدامة.
إن المرحلة المقبلة، بكل ما تحمله من تحديات وآمال، تتطلب تعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية، والعمل بروح وطنية تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار آخر. فالدول تبنى بالتخطيط طويل الأمد، وبالمؤسسات الفاعلة، وبالقدرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار القانون.
ولذلك، فإن الرهان الأكبر لا ينبغي أن يكون على الشعارات، بل على بناء مؤسسات قوية، وتطوير الكفاءات، وتعزيز وحدة القرار، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي. فهذه هي الأسس التي تمكن أي دولة من مواجهة التحديات، وصون أمنها، وتحقيق تطلعات مواطنيها.
وفي النهاية، يظل مستقبل اليمن مرهونًا بقدرة أبنائه ومؤسساته على ترسيخ دولة يسودها القانون، وتعمل فيها المؤسسات بكفاءة، ويكون فيها القرار الوطني قائمًا على المسؤولية والمصلحة العامة. فحين تقوى الدولة، وتترسخ مؤسساتها، وتتوحد الرؤية الوطنية، تتهيأ الظروف لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، ويصبح الأمل في استعادة الأمن والتنمية أقرب إلى التحقق.



