الوطنية بين المبدأ والمصلحة.. كيف يميز التاريخ بين الوطني والمرتزق والخائن؟

الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأمم، يبرز سؤال يتردد على ألسنة الناس: من هو الوطني؟
ومن هو المرتزق؟
ومن هو الخائن؟
ورغم أن هذه المصطلحات كثيرًا ما تستخدم في الخطاب السياسي والإعلامي، فإن التاريخ يظل هو الحكم الأصدق، لأنه لا يحفظ الشعارات، بل يحفظ المواقف.
فالوطني هو الإنسان الذي يجعل مصلحة وطنه فوق مصالحه الشخصية، ويصبر على التضحيات دفاعًا عن شعبه وكرامته، حتى وإن دفع ثمن ذلك من حريته أو ماله أو حياته.
أما المرتزق، فهو من يغير مواقفه وفقًا لما يحقق له منفعة أو مكسبًا، فلا يرتبط بمبدأ بقدر ارتباطه بالمصلحة.
أما وصف شخص بأنه خائن فهو من أخطر الأوصاف، ويجب أن يستند إلى وقائع وأدلة، لا إلى مجرد الخلاف السياسي أو الفكري.
لقد ضرب التاريخ العربي والإسلامي أمثلة كثيرة على الوطنية والثبات على المبدأ.
فعندما رفض القائد/ صلاح الدين الأيوبي التفريط بالقدس، لم يكن يبحث عن مكسب شخصي، بل كان يحمل مشروعًا يراه في مصلحة أمته، فخلده التاريخ قائدًا ارتبط اسمه بالوفاء لقضيته.
وفي المقابل، يروي التاريخ قصصًا عن أشخاص فضلوا مصالحهم الخاصة وتحالفوا مع خصوم أوطانهم لتحقيق نفوذ أو سلطة، فانتهى بهم الأمر إلى صفحات لا يذكرها التاريخ إلا بوصفها دروسًا في عواقب تغليب المصلحة الشخصية على الصالح العام.
وفي العصر الحديث، لم تعد المعارك تخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة والصورة والخبر أدوات مؤثرة.
لذلك تقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في نقل الحقائق، والتحقق من المعلومات، والابتعاد عن التحريض أو إطلاق الاتهامات دون بينة.
فالصحفي المهني ينقل الوقائع بأمانة، ويترك الحكم للقارئ وللأدلة، بينما يؤدي الإعلام المنحاز أو المضلل إلى تعميق الانقسام وفقدان الثقة.
والوطنية لا تعني أن يوافق المواطن على كل قرار، بل قد تكون في النقد المسؤول، وكشف الفساد، والمطالبة بالإصلاح، والدفاع عن حقوق الناس بالوسائل المشروعة.
فالمواطن الذي ينتقد من أجل الإصلاح قد يكون أكثر وطنية ممن يصفق لكل شيء دون مساءلة.
إن التاريخ لا يخلد أصحاب الشعارات الرنانة، بل يخلد أصحاب المواقف الصادقة.
فكم من شخص رفع راية الوطنية، ثم كشفت الأيام أن مواقفه كانت مرتبطة بالمصلحة، وكم من رجل تعرض للانتقاد في حياته، ثم أثبت الزمن أنه كان ثابتًا على مبادئه.
وفي النهاية، يبقى الوطن أكبر من الأشخاص والأحزاب والمناصب.
والوطنية ليست لقبًا يمنح، ولا شعارًا يرفع، وإنما مسؤولية وأمانة وسلوك يومي.
أما المصلحة العابرة فقد تحقق مكسبًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع مجدًا، ولا تكتب لصاحبها مكانة مشرفة في ذاكرة الشعوب.



