حررنا الأرض وفشلنا في بناء الوطن

نبيل غالب

تحل علينا الذكرى الـ 63 لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، ولا يسع أي يمني حر إلا أن يقف إجلالاً أمام تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي انطلقت من جبال ردفان الشماء بقيادة الشهيد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه، لتواجه إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

كانت ثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ثورة شعب بسيط قرر أن ينهي 129 عاماً من الاستعمار البريطاني المباشر، ثورة لم تكن تبحث عن سلطة أو غنيمة، بل كانت تبحث عن كرامة وطن وهوية شعب.

لكن بعد 63 عاماً، وبعد رحلة سفر طويلة وشاقة، لا بد أن نسأل أنفسنا بكل تجرد وصدق، بعيداً عن خطابات المنصات والشعارات الرنانة: ماذا تحقق للشعب اليمني في الشطر الجنوبي من أهداف تلك الثورة العظيمة؟ وأين نحن اليوم من الحلم الذي استشهد من أجله الآلاف؟

لقد خرج البريطاني في الـ 30 من نوفمبر عام 1967م، وترك خلفه دولة بمؤسساتها، ميناءً هو الثالث على مستوى العالم، ومصفاة، ومطاراً دولياً، ونظاماً قضائياً وتعليمياً كان يضاهي الأنظمة في المنطقة. كانت عدن جوهرة الجزيرة العربية، قبلة للتجارة والثقافة والطب.

لكننا للأسف لم نحافظ على هذه الجوهرة، بل سرعان ما دخلنا في نفق مظلم من الصراعات الأيديولوجية. فبدلاً من أن نبني على ما تركه الاستعمار ونطوره، رفعنا شعار التأميم والمصادرة، فهرب رأس المال الوطني، وهُجرت الكفاءات والعقول الجنوبية إلى الخليج والعالم، وتحولت الدولة من دولة منتجة إلى دولة حزب شمولي يحكم بالشعارات.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعرف الجنوب الاستقرار أبداً. دخلنا في سلسلة أحداث دامية تلو الأخرى، أحداث لم تكن صراعاً بين حق وباطل، بل كانت صراع رفاق وصراع أجنحة داخل التنظيم الواحد، وكل حدث كان يأكل من رصيد الوطن ويمزق نسيجه الاجتماعي.

وكانت الطامة الكبرى في أحداث 13 يناير عام 1986م، تلك المجزرة المروعة التي لم تكن مجرد انقلاب، بل كانت عملية انتحار جماعي للدولة الجنوبية، قتل فيها الأخ أخاه والجار جاره على الهوية والمنطقة، وسالت الدماء في شوارع العاصمة عدن حتى تعفنت الجثث، وخلفت جرحاً غائراً في الضمير الجنوبي لا زالت آثاره السلبية جاثمة على قلوبنا حتى اليوم، وتعتبر هي الشرخ الحقيقي الذي مهد لكل ما جاء بعدها.

ثم جاءت الوحدة اليمنية في 22 مايو عام 1990م، والتي استقبلها المواطن البسيط في الشطرين بدموع الفرح، ظناً منه أنها نهاية عهود التشطير والصراع.

لكن النخبة السياسية في الشمال والجنوب لم تكن بمستوى هذا الحلم الكبير، فحولت مشروع الوحدة العظيم من مشروع تكامل وطني إلى مشروع تقاسم سلطة وثروة ونفوذ، فانتهى بنا المطاف إلى حرب صيف 1994م، تلك الحرب التي رسخت ثقافة المنتصر والمهزوم، وبدأ بعدها مسلسل طويل من الإقصاء والتهميش والتسريح القسري لعشرات الآلاف من كوادر الجنوب، فتولدت المظالم التي نعاني منها حتى اليوم.

واليوم، ونحن نقف على أعتاب الذكرى الـ 63، نجد أنفسنا في قلب حرب كارثية أشعلتها مليشيا الحوثي بانقلابها على الدولة في العاصمة صنعاء، حرب أكلت الأخضر واليابس، ودمرت ما تبقى من مؤسسات على مدى قرابة الـ 12 عاماً، وجعلت اليمني في الشمال والجنوب يبحث عن لقمة العيش والماء والدواء.

وفي الوقت الذي نشهد فيه هذا الانهيار، نرى حولنا أوطاناً كثيرة كانت ترزح تحت الاستعمار مثلنا، بل وكانت أوضاعها أسوأ منا بكثير عند التحرر، قد انطلقت بسرعة الصاروخ نحو التقدم والرخاء، بنت اقتصادها، وبنت الإنسان قبل البنيان، واستثمرت في التعليم والتكنولوجيا.

بينما نحن تأخرنا كثيراً، ليس لقلة مواردنا، فنحن نملك ثروة بحرية هائلة وزراعية، ونفطاً وغازاً، وسياحة وغيرها من الثروات، وموقعاً استراتيجياً، وقبل كل ذلك تاريخاً وحضارة يحسدنا عليه العالم، بل تأخرنا لأننا فقدنا البوصلة.

وإذا أردنا أن نعزو الأسباب الحقيقية لهذا الفشل، فإننا نجدها تكمن في ثلاثة أمراض مزمنة. المرض الأول هو غياب مشروع الدولة الحقيقية، فقد تعاقبت علينا أنظمة كان ولاؤها للحزب أو القبيلة أو المنطقة، ولم يكن ولاؤها للوطن، فلم نبن جيشاً وطنياً ولا قضاءً مستقلاً ولا نظام تعليم حقيقي.

والمرض الثاني والأخطر هو ظهور طبقة جديدة طفيلية هي طبقة تجار السياسة والحروب، هؤلاء الذين وجدوا في كل أزمة فرصة للثراء، يتاجرون بدماء الشهداء وبمعاناة المواطنين، يرفعون الشعارات في النهار، ويعقدون الصفقات المشبوهة في الليل، هم وحدهم من يسكنون الفلل الفارهة ويرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج، بينما المواطن البسيط لا يجد قيمة كيس الأرز.

أما المرض الثالث فهو ارتهان القرار الوطني للخارج، فمنذ الاستقلال وحتى اليوم لم نستطع أن نقول لا، كان قرارنا دائماً مرهوناً بدعم هذا المحور الإقليمي أو ذاك الدولي، ففقدنا استقلالنا السياسي بعد أن نلنا استقلالنا الجغرافي.

إن الاحتفال الحقيقي بثورة 14 أكتوبر المجيدة لا يكون بإطلاق الألعاب النارية وإلقاء الخطب، بل يكون بثورة تصحيح جديدة، ثورة على الفساد والمناطقية وثقافة الانتقام، ثورة تعيد الاعتبار للتعليم وللكفاءة، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتؤمن بأن المواطن البسيط هو غاية الثورة وهدفها، وليس مجرد رقم في كشوفات المساعدات.

رحم الله شهداء ثورة أكتوبر الأبرار الذين حلموا بوطن عظيم، ونعتذر لهم اليوم لأننا لم نكن على قدر حلمهم.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار