حين تتحول المنصات الإعلامية إلى “بقالات”.. من يضبط الفوضى الإعلامية في المحافظات المحررة؟

موسى المليكي
في السنوات الأخيرة، شهد المشهد الإعلامي في المحافظات المحررة توسعًا غير مسبوق في أعداد المنصات الإخبارية والإعلامية، حتى بات إطلاق موقع إلكتروني أو صفحة إخبارية أو قناة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا لا يحتاج سوى بضع دقائق، بينما يغيب السؤال الأهم: أين الترخيص؟ وأين الرقابة؟
وأين دور الجهات المختصة في تنظيم هذا القطاع؟
لقد أصبح المشهد، في نظر كثير من المتابعين، أقرب إلى سوق مفتوح بلا ضوابط، أو كما يصفه البعض: “بقالات إعلامية” تفتح أبوابها متى شاء أصحابها، وتمارس العمل الإعلامي دون اشتراطات مهنية واضحة، ودون مساءلة حقيقية عن المحتوى الذي تنشره أو تأثيره على المجتمع.
الإعلام ليس مشروعًا تجاريًا عابرًا، ولا منصة لتصفية الحسابات الشخصية أو السياسية، بل هو سلطة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وصناعة الوعي، وحماية الحقيقة. وعندما تُترك هذه السلطة دون تنظيم، فإن النتيجة الطبيعية هي تضخم الفوضى، وتراجع المهنية، وازدياد مساحة الأخبار المضللة والإشاعات والمحتوى غير الموثق.
في المحافظات المحررة، يلاحظ المتابعون ظهور عشرات، وربما مئات، المنصات الإعلامية التي تعمل دون أن يكون معروفًا وضعها القانوني أو الإداري. بعضها لا يحمل ترخيصًا معلنًا، وبعضها لا يمتلك مقرًا أو هيكلًا إداريًا أو هيئة تحرير واضحة، فيما يكتفي آخرون بإنشاء صفحة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي وإطلاق صفة “مؤسسة إعلامية” عليها، ثم الانخراط في نشر الأخبار والتقارير والتحليلات وكأنهم مؤسسات صحفية مكتملة الأركان.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أين وزارة الإعلام؟ وأين مكاتبها في المحافظات المحررة؟
وهل تقوم بالدور المنوط بها في تنظيم العمل الإعلامي، أم أن الواقع تجاوز أدواتها وقدراتها؟
إن مسؤولية وزارة الإعلام لا تقتصر على إصدار البيانات أو تنظيم الفعاليات، بل تشمل أيضًا وضع إطار قانوني وإداري واضح لممارسة العمل الإعلامي، والتأكد من التزام المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية والقانونية، بما يحفظ حرية التعبير ويعزز في الوقت ذاته المسؤولية المهنية.
غياب التنظيم لا يضر بالمؤسسات المخالفة وحدها، بل ينعكس سلبًا على المؤسسات الإعلامية الجادة التي التزمت بالإجراءات القانونية واستثمرت في الكوادر المهنية والعمل المؤسسي. فمن غير المنطقي أن تتساوى مؤسسة مرخصة، تمتلك إدارة تحرير وصحفيين محترفين وتتحمل التزامات قانونية، مع منصة مجهولة الهوية لا يعرف أحد من يديرها أو يمولها أو يتحمل مسؤولية ما تنشره.
كما أن انتشار المنصات غير المنظمة يفتح الباب أمام استغلال الإعلام لأغراض الابتزاز أو التشهير أو نشر المعلومات غير الدقيقة أو الخطاب التحريضي، وهي ممارسات قد تضر بالأفراد والمؤسسات وتؤثر في السلم المجتمعي والثقة بالإعلام عمومًا.
ولا يعني الحديث عن التنظيم الدعوة إلى تقييد الحريات أو فرض الوصاية على الصحافة، بل إن الإعلام الحر يحتاج إلى بيئة قانونية عادلة تحمي الجميع، وتحاسب المخالف وفق القانون، وتضمن في الوقت نفسه حق الصحفيين في ممارسة مهنتهم باستقلالية ومسؤولية.
إن حرية الإعلام لا تتعارض مع التنظيم، بل إن الدول التي تتمتع بأعلى مستويات حرية الصحافة تمتلك أيضًا أنظمة واضحة لترخيص المؤسسات الإعلامية، وتحديد المسؤوليات القانونية، وضمان حقوق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لواقع الإعلام في المحافظات المحررة، تبدأ بحصر المؤسسات والمنصات العاملة، وإعلان وضعها القانوني، وتفعيل دور مكاتب وزارة الإعلام في الرقابة الإدارية والتنظيمية وفق القوانين النافذة، مع توفير آليات شفافة وعادلة للحصول على التراخيص، بعيدًا عن التعقيدات أو الانتقائية.
كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة هي الأخرى بالارتقاء بأدائها، والالتزام بمواثيق الشرف الصحفي، وتقديم نموذج مهني يحترم عقل القارئ، ويبتعد عن الإثارة الرخيصة، والشائعات، وخطابات الكراهية.
إن استمرار الفوضى الإعلامية لا يخدم أحدًا، بل يضعف ثقة الجمهور بالإعلام كله، ويجعل الحقيقة تضيع وسط ضجيج الصفحات والمنصات التي تتكاثر كل يوم دون معايير واضحة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام وزارة الإعلام ومكاتبها في المحافظات المحررة: هل ستتحرك لتنظيم هذا القطاع، وتفعيل القوانين، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الإعلامية المهنية؟ أم سيظل المشهد الإعلامي مفتوحًا على مزيد من العشوائية، حتى يصبح تأسيس منصة إعلامية أسهل من افتتاح محل بقالة، وأقل خضوعًا للرقابة والتنظيم؟
إن الإعلام ركيزة من ركائز بناء الدولة، وأي مشروع لاستعادة مؤسسات الدولة لا يكتمل دون قطاع إعلامي منظم، مهني، ومسؤول، يحترم القانون، ويصون حرية التعبير، ويؤدي رسالته بعيدًا عن الفوضى والارتجال. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المنصات بقدر حاجته إلى إعلام موثوق، يضع الحقيقة فوق المصالح، ويجعل المهنية معيارًا لا استثناء.



