بالأمس غارات.. واليوم إغاثات: الجنوب يرفض أن يشترى وجعه بالتمر!

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب

ذاكرة لا تموت:

ليست كل الجراح قابلة للنسيان، وليست كل الدماء يمكن أن تغطى بكرتونة غذاء أو شاحنة إغاثة.

هناك جراح تسكن في صدور الأمهات، وصور لا تزال معلقة على جدران البيوت، وأسماء لم تعد تنادى إلا بعبارة: رحم الله من رحل.

في يناير 2026م، تحدثت تقارير ومصادر محلية عن غارات جوية سعودية استهدفت مواقع مرتبطة بالقوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة.
فإنها فتحت ملفاً بالغ الخطورة يستحق تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، لا بيانات مجاملة ولا محاولات لطي الصفحة.

ثم يأتي اليوم مشهد آخر:

13 شاحنة إغاثية تصل إلى العاصمة عدن.

وهنا يعلو السؤال من بين ركام الذاكرة:

هل تغلق الجراح بالشاحنات؟

لا يا سادة.

الإغاثة للفقراء حق إنساني، ومن يحتاج إلى الغذاء لا ينبغي أن يحرم منه بسبب الخلافات السياسية.

لكن الإغاثة شيء، والعدالة شيء آخر.

الجوع يعالج بالغذاء… أما جرح الدم فلا يعالج إلا بالحقيقة والإنصاف.

الدم ليس وجبة:

– من فقد ابنه لا يستطيع أن يستعيده بكيس أرز.

– من فقد أخاه لا يستطيع أن يعيده صندوق تمر.

– من فقد أباه لن يجد صورته داخل شاحنة إغاثة.

لهذا فإن محاولة اختزال المأساة في مساعدات إنسانية تُشعر الضحايا بأن وجعهم أصبح مجرد رقم في دفتر العلاقات العامة.

وهذا هو القهر الحقيقي.

الغدر أوجع:

حين يشعر الإنسان أن من كان يظنه سنداً أصبح طرفاً في مأساة، فإن الألم يصبح مضاعفاً.

فالحرب قاسية، لكن الإحساس بالغدر أقسى.

والجنوب، الذي عانى طويلاً من الحروب والصراعات، يعرف جيداً معنى أن تدفع فاتورة الدم ثم يطلب من أصحاب الدم أن يصمتوا.

لا تشتروا الصمت:

لا أحد يملك حق بيع دم الضحايا.

لا سياسي، ولا مسؤول، ولا إعلامي.

ولا يجوز أن تتحول المساعدات الإنسانية إلى ثمن للصمت، أو إلى وسيلة لتجميل صفحة سوداء قبل كشف الحقيقة.

نحن لا نقول اقطعوا الإغاثة عن المحتاجين.

بل نقول:

– أغيثوا الجائع.. وحاسبوا من تسبب في الألم.

– ساعدوا الإنسان، وافتحوا ملفات الحرب.

– أطعموا الفقير، وأنصفوا المظلوم.

– أرسلوا الدواء، ولا تمنعوا الحقيقة.

أين الحقيقة؟

السؤال الذي يطارد أسر الضحايا ليس: كم شاحنة وصلت؟

السؤال هو:

ماذا حدث؟

ومن المسؤول؟

وكم عدد الذين سقطو من ضحايا القوات المسلحة الجنوبية بغارات الطيران الحربي السعودي؟

وهل كانت هناك أخطاء أو تجاوزات؟

وهل ستفتح تحقيقات حقيقية تكشف الوقائع للرأي العام؟

هذه الأسئلة لا يجوز دفنها تحت عناوين الإغاثة.

التمر لا يمحو الدم:

قد يسكت الطعام جوع المعدة لساعات، لكنه لا يستطيع إسكات وجع القلب.

قد تفرغ الشاحنات حمولتها في العاصمة عدن، لكنها لن تفرغ من ذاكرة الناس صور من فقدوا أحباءهم.

فالتمر ينتهي.. والدم يبقى شاهداً.

ولهذا نقولها من قلب القهر:

– أغيثوا من يحتاج، لكن لا تطلبوا من المكلوم أن ينسى.

– ساعدوا الفقير، لكن لا تشتروا صمت الضحية.

– افتحوا أبواب الإغاثة، وافتحوا معها أبواب الحقيقة والعدالة.

الجنوب لا ينسى:

قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل ١المصالح.

لكن الدم لا يعرف السياسة.

والأم التي فقدت ابنها لا يعنيها من انتصر في البيانات.

هي تريد أن تعرف الحقيقة.

والأب الذي دفن ابنه لا يريد خطاباً دبلوماسياً.

يريد عدالة.

وهنا تكمن الرسالة:

الجنوب لا يرفض الخير.. لكنه يرفض أن يتحول الخبر إلى ستار على الألم.

فإن كانت هناك أخطاء أو تجاوزات، فلتكشف.

وإن كانت هناك مسؤوليات، فلتُحدد.

وإن كان هناك ضحايا، فلتحترم دماؤهم.

أما أن نقول للناس:

– بالأمس ألم.. واليوم إغاثة.. فانسوا!

– هذا ما لا يمكن أن تقبله ذاكرة شعب.

– الجنوب لا يشترى بالتمر، ولا تمحى كرامته بالشاحنات، ولا تدفن دماؤه تحت أكياس المساعدات.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار