الشباب ليسوا وقودًا للخطابات.. أعطوهم الفرصة قبل أن تقتلوا أحلامهم

موسى المليكي

في اليوم العالمي للشباب، لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات الرنانة، ولا إلى عبارات محفوظة تُقال أمام الكاميرات ثم تُنسى مع انتهاء المناسبة. الشباب لا يريدون من يصفق لهم لساعات، ثم يغلق الأبواب في وجوههم لسنوات. لا يريدون خطابات تتحدث عن المستقبل بينما واقعهم يقول إنهم خارج حسابات الحاضر.


الشباب يريدون فرصة حقيقية
يريدون وظيفة يستحقونها، ومنحة يحصلون عليها بجدارتهم، ومقعدًا في مواقع المشاركة وصناعة القرار، ومساحة يثبتون فيها قدراتهم، لا أن تتحول طموحاتهم إلى ملفات مؤجلة، وأحلامهم إلى وعود مؤجلة، ومستقبلهم إلى انتظار طويل لا يعرفون متى ينتهي.
إن أكبر ظلم يمكن أن يُمارس بحق الشباب ليس فقط حرمانهم من وظيفة أو منحة أو فرصة، بل إقناعهم بأنهم لا يستحقونها، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن الاجتهاد لا يضمن الوصول، وأن الأبواب لا تُفتح إلا لمن يملك واسطة أو نفوذًا أو اسمًا معروفًا.


حين يرى الشاب أن الفرص تُمنح لغير المستحق، وأن الكفاءة تُهمَّش، وأن أصحاب الشهادات والخبرات يقفون طويلًا في طوابير الانتظار بينما يتقدم آخرون بلا معيار واضح، فإن المشكلة لا تعود مشكلة فرد واحد؛ بل تصبح مشكلة مجتمع بأكمله.


لأنكم حين تقتلون طموح شاب، لا تقتلون حلمًا شخصيًا فقط؛ أنتم تخسرون عقلًا كان يمكن أن يبتكر، ويدًا كان يمكن أن تعمل، ومشروعًا كان يمكن أن ينجح، وفكرة كان يمكن أن تغيّر حياة الآخرين.


الشباب ليسوا عبئًا على المجتمع، وليسوا مجرد فئة عمرية تُستدعى في المناسبات. الشباب هم الطاقة الأكبر، والقوة الأكثر قدرة على التغيير، والأكثر استعدادًا للتعلم والمبادرة والمغامرة وصناعة الحلول.


لكن هذه الطاقة تحتاج إلى بيئة تؤمن بها.
لا يمكن أن نطالب الشباب بالإبداع بينما نغلق أمامهم أبواب العمل.
ولا يمكن أن نطالبهم بالصبر بينما نمنح الفرص لمن لا يستحق.


ولا يمكن أن نطالبهم بالبقاء في أوطانهم بينما نجعل مستقبلهم مجهولًا.


ولا يمكن أن نقول لهم: “أنتم مستقبل الوطن”، بينما نحرمهم من حقهم في أن يكونوا جزءًا من حاضره.


هذه ليست مبالغة، بل حقيقة يجب أن نتوقف أمامها بجدية.
كم شابًا يحمل شهادة جامعية ويجلس في منزله؟


كم شابة تمتلك الكفاءة والقدرة والطموح، لكنها لم تجد الفرصة التي تستحقها؟


كم مشروعًا وأفكارًا ابتكارية ماتت قبل أن ترى النور لأن أصحابها لم يجدوا الدعم؟


كم منحة دراسية ذهبت بعيدًا عن أصحاب الاستحقاق؟
وكم وظيفة أصبحت مكافأة للمحسوبية بدل أن تكون حقًا للكفاءة؟


وكم موهبة غادرت أوطانها لأنها لم تجد من يقول لها: نحن نؤمن بك؟


هذه الأسئلة ليست موجهة إلى الشباب، بل إلى كل من يملك قرارًا أو سلطة أو قدرة على فتح باب.


كفى تهميشًا للشباب
كفى التعامل معهم باعتبارهم أرقامًا في الإحصاءات، أو جمهورًا في المناسبات، أو صورًا جميلة في التقارير الرسمية.
الشباب يريدون أن يكونوا شركاء لا متفرجين.
يريدون أن تُقاس فرصهم بالكفاءة والاستحقاق، لا بالعلاقات.


يريدون مؤسسات تحترم عقولهم، لا أن تخاف من طموحهم.
يريدون مسؤولين يسمعونهم قبل أن يتحدثوا باسمهم.
ويريدون أن يعرفوا أن الطريق إلى النجاح مفتوح أمام المجتهد، وأن المستقبل لا يُحجز مسبقًا لأصحاب النفوذ.
إن الاستثمار الحقيقي في الشباب لا يكون ببناء المنصات والاحتفالات، وإنما ببناء الإنسان نفسه: بالتعليم الجيد، والتدريب، والعمل، والابتكار، والمنح العادلة، والتمكين الاقتصادي، والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار.
الشاب الذي يحصل على فرصة عادلة اليوم، قد يصبح غدًا صاحب مشروع يوفر عشرات الوظائف.


والشاب الذي يحصل على منحة ويكمل تعليمه، قد يعود بعلم وخبرة يسهم بهما في بناء وطنه.
والشاب الذي يجد من يثق بموهبته، قد يصبح بعد سنوات قائدًا أو مهندسًا أو طبيبًا أو باحثًا أو مبدعًا يصنع فرقًا حقيقيًا.


لكن السؤال المؤلم هو:
ماذا يحدث عندما نغلق كل هذه الأبواب؟


نحن لا نضمن فقط ضياع مستقبل شاب؛ بل نراكم الإحباط، ونقتل روح المبادرة، ونصنع جيلًا فاقدًا للثقة، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا فقد الشباب الأمل؟


الشباب لا يحتاجون إلى الشفقة.
يحتاجون إلى العدالة.
لا يحتاجون إلى من يقول لهم: “نحن ندعمكم”.
يحتاجون إلى من يثبت ذلك بالفعل.
لا يحتاجون إلى وعود جديدة.
يحتاجون إلى فرص حقيقية.
ولا يريدون أن يكون اليوم العالمي للشباب مجرد مناسبة نتحدث فيها عن إنجازاتهم وطموحاتهم، ثم نعود في اليوم التالي إلى تجاهلهم.
اجعلوا هذا اليوم مناسبة للمراجعة لا للاحتفال فقط.
افتحوا الملفات التي طال انتظارها.
راجعوا معايير التوظيف والمنح.
امنحوا الكفاءات حقها.
اسمعوا أصوات الشباب.


أشركوهم في صناعة القرارات التي تمس مستقبلهم.
افتحوا أمامهم أبواب التدريب والعمل وريادة الأعمال.
وحين تختلفون معهم، لا تعاقبوهم لأنهم طموحون، بل ناقشوهم واحترموا حقهم في أن يحلموا ويختلفوا ويقترحوا.


فالوطن الذي يثق بشبابه، يبني مستقبله.
والوطن الذي يخاف من شبابه، يهدر مستقبله.
وفي اليوم العالمي للشباب، الرسالة ليست للشباب وحدهم، بل لكل من يملك مفتاحًا لباب مغلق:
افتحوا الباب.


قد يكون خلفه شاب لا يطلب سوى فرصة واحدة ليغيّر حياته.


وقد تكون خلفه فكرة قادرة على تغيير مؤسسة.
وقد يكون خلفه مشروع قادر على خلق وظائف.
وقد يكون خلفه عالم أو طبيب أو مهندس أو معلم أو قائد سيترك أثرًا في هذا الوطن.
فلا تقتلوا الطموح قبل أن يولد.
ولا تجعلوا المحسوبية أقوى من الكفاءة.
ولا تجعلوا الواسطة أقوى من الاستحقاق.
ولا تجعلوا المنحة حلمًا مستحيلًا لمن يستحقها.
ولا تجعلوا الوظيفة جائزة لمن يملك العلاقات.
أعطوا الشباب فرصهم، وثقوا بقدراتهم، واحترموا عقولهم، وافتحوا لهم الأبواب بدلًا من إغلاقها في وجوههم.

فالشباب ليسوا مجرد مستقبل نؤجله إلى الغد…
الشباب هم حاضر الوطن، وقوة التغيير فيه، وصنّاع المستقبل الذي نريده جميعًا.

اليومالعالميللشباب

الشبابيصنعالمستقبل

تمكين_الشباب

فرص_عادلة

الشباب_أولاً

الكفاءة قبلالواسطة

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار