ابن خلدون لو عاد اليوم… هل كان سيرى في تأجيل القضايا بداية لانهيار الثقة؟

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
قراءة رأي في التاريخ والواقع:
لم يكن مؤسس علم الاجتماع مؤرخ وفيلسوف اجتماعي وسياسي، وهو أحد أبرز علماء القرون الوسطى، ومن أكبر المؤرخين العرب.
ينسب إليه تأسيس علم الاجتماع، واعظًا يكتفي بالدعوة إلى العدل، بل كان مؤرخًا وفيلسوفًا راقب حركة الدول والمجتمعات، وسأل سؤالًا ظل يتردد عبر القرون: لماذا تنهار الدول؟
وكانت إجابته أن الظلم ليس مجرد خطيئة أخلاقية، بل عامل يضعف العمران ويؤثر في تماسك المجتمع واستقرار الدولة.
ومن هذا المنطلق، يثير واقع الجنوب العربي، كما يراه كثير من أنصاره، تساؤلات حول أثر استمرار الخلافات السياسية وتأخر الوصول إلى تسوية شاملة تعالج المطالب المختلفة.
بالنسبة إلى هؤلاء، فإن إطالة أمد القضية الجنوبية دون حل واضح أسهمت في تعميق الشعور بالإحباط، وأثرت في ثقة قطاعات من المجتمع بالعملية السياسية.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن الجنوب كان شريكًا رئيسيًا في مواجهة تحديات أمنية وعسكرية خلال السنوات الماضية، وأن هذه التضحيات تستحق معالجة سياسية أكثر وضوحًا، بدلًا من بقاء الملف معلقًا وسط حسابات إقليمية ودولية معقدة.
وفي هذا السياق، يوجّه بعض الجنوبيين انتقادات إلى المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، معتبرين أن تعاطيهما مع القضية الجنوبية لم يلبِّ تطلعاتهم، وأن الأولوية انصبت على إدارة الصراع والحفاظ على التوازنات أكثر من الدفع نحو تسوية نهائية.
في المقابل، تؤكد السعودية مرارًا أن دورها يتركز على دعم الاستقرار، ورعاية الجهود السياسية، والسعي إلى إنهاء الصراع في اليمن عبر الحلول السلمية.
ولو استعرنا عدسة ابن خلدون، فإن السؤال لن يكون: من المنتصر اليوم؟
بل: هل تؤدي إطالة أمد الأزمات وتأجيل الحلول إلى إضعاف الثقة بين الناس والمؤسسات؟
فالتاريخ، في نظره، يبين أن استمرار المشكلات دون معالجة قد يترك آثارًا تتجاوز السياسة إلى المجتمع والاقتصاد والعمران.
لقد علمنا ابن خلدون أن العدالة ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل ممارسة تحفظ تماسك المجتمع.
وأن تأخير معالجة القضايا الكبرى قد يؤدي إلى تراكم الاحتقان، بينما يفتح الإنصاف والحوار الجاد بابًا لاستقرار أكثر دوامًا.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار، إقليميًا ودوليًا: هل تدار الأزمات إلى ما لا نهاية، أم أن معالجة القضايا الجوهرية بعدالة ووضوح هي الطريق الأكثر استدامة لبناء السلام؟
فالتاريخ لا يحاكم الشعوب لأنها طالبت بحقوقها، بل يتوقف طويلًا عند كيفية استجابة الدول والقوى المؤثرة لتلك المطالب، وما إذا كانت اختارت الحلول التي تعزز الاستقرار، أم تركت الأزمات تتراكم حتى أصبحت أكثر تعقيدًا.



