المواطن والوطن.. بين الحلم والكابوس

بليغ الصبري

يظل حلم الدولة أسمى غايات الإنسان الذي لا يجد لنفسه وطناً يحتويه، ولا حكومة ترعى مصالحه وتناقش قضايا شأنه لتلمّ شعث مشكلاته، لينعم بعيش كريم لا ينغصه الطغيان، ولا يكدره عناء التشرد وانعدام الأمان؛ حكومة تكفيه شر التذبذب بين الحلم والحرمان، وبين القول الفصل وغوغاء الهذيان. وهذا هو لسان حال كل من يدب على ثرى وطن أمسى وطنين، وحكومةٍ أضحت ثِنْتَيْن يتقاسم زعامتهما زعيمان، وأرضٍ واحدة غدت شطرين يتوزع فيهما بنكان.

سيناريو العودة.. والقائد البطل

أمام هذا الانسداد الشامل، لم يكن بوسعي سوى الهروب إلى روتيني اليومي؛ فبعد عودتي من سوق القات اتكأت أمام شاشة التلفاز متصنعاً البحث عن خلاص. وهناك، رأيت زعيماً محنكاً يلقي خطاباً نارياً يعلن فيه “ساعة الصفر” لمشروع استعادة الدولة، داعياً كافة الأطراف والجماعات إلى العودة إلى رشدها والجنوح للسلم والجلوس إلى طاولة الحوار، ممنياً ومحذراً، ومبشراً ونذيراً.
ولم تكد تنتهي نبرات الخطاب، حتى ترأس اجتماعاً طارئاً لوزارتي الدفاع والداخلية لإطلاق معركة الحسم. وفي غضون أيام قلائل، استطاع إطفاء نيران التشرذم، ليتجه بثقله العسكري نحو خطوط التماس في الضالع والبيضاء وتعز؛ وهناك تداعت تحصينات الخصوم وانقطعت شرايين إمدادهم، ليتهاوى الحصن الدفاعي الأوسط المتمثل في إب والبيضاء، ثم تلتحم القوات في نقطة الارتكاز الاستراتيجية: ذمار.
وما هي إلا لحظات حتى أضحت قواته طوقاً جمهوريّاً يحيط بعنق العاصمة، فترتفع الراية وتعود صنعاء إلى أحضان وطنها عاصمة جامعة لكل اليمنيين. وبعد فترة قصيرة، جرت انتخابات رئاسية، وبإجماع شعبي عارم حصد فيه الأغلبية الساحقة؛ أضحى ذلك الزعيم رئيساً للجمهورية اليمنية الواحدة، يرسم الخطط، ويجري التعيينات، وينشئ المشاريع الاقتصادية المذهلة، حتى بلغت البلاد في سنوات معدودة ذرى التقدم والازدهار، وغدت صرحاً وطنياً شامخاً في أعين أبنائها.
انهيار الصرح الوطني الشامخ

وفجأةً، وفي لحظة واحدة ينقلب كل شيء؛ إذ يرى ذلك الزعيم الصرح الشامخ يتهاوى أمام عينيّه ويستحيل هشيماً تذروه الرياح!
لقد كانت تلك الأحداث ضرباً من أحلام اليقظة التي عشت بطولتها ما بين الواحدة والسابعة مساءً متأثراً بحمّى القات. نعم، لقد كنت أنا ذلك الزعيم ولم يكن الوطن الموحد المستقر سوى حلم جميل بدده كابوس الواقع المأساوي، وأشعل في نفسي موجة من التساؤلات الرافضة الممتزجة بخليط من المشاعر المتضاربة: غضب، وندم، وحزن، ورغبة جامحة في الضحك!

ما الذي يحتاجه اليمن واليمنيون؟

ما الذي يحتاجه اليمنيون ليروا وطناً موحداً آمناً مستقراً يسوده العدل والمساواة؟
أتساءل في نفسي: أيكمن الحل في أن يمضغوا جميعاً من ذات القات الذي مضغته؟
ربما يكون هذا حلاً مؤقتاً يعيد لليمنيين بلد أحلامهم لساعات، لكنه سينقلهم وبلادهم من بلد بزعيمين وحكومتين إلى شعب من الزعماء الذين لا يجدون شعباً يحكمونه أو يعيّنون منه حكوماتهم!

ويبقى السؤال الأبرز
ما الذي نحتاجه فعلاً ؟ وإلى متى ستظل الدولة حلماً جميلاً يراود أبناءها ليلاً ونهاراً صحواً ومناماً؟

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار