عدنان الصنوي حين يكون النبل مهنة والصمت لغة

منصور محمد شايع العامري

هناك رجال لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي يثبتوا حضورهم لأن أفعالهم تسبقهم وسيرتهم تتحدث عنهم وأثرهم يبقى شاهدًا عليهم.

ومن هؤلاء الرجال يأتي عدنان الصنوي نموذجًا نادرًا لرجل جمع بين شرف المهنة ونبل الأخلاق ورفعة النفس.

عدنان الصنوي ليس مجرد صحفي يؤدي عمله ولا مجرد مسؤول إعلامي يشغل موقعًا رسميًا بل هو واحد من أولئك الذين يؤمنون بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لا فيما يقوله عن نفسه.

ورغم موقعه سكرتيرًا صحفيًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي ظل بعيدًا عن صخب المناصب وضجيج الأضواء لا يبحث عن صورة ولا يصنع لنفسه هالة ولا يضع اسمه في مقدمة كل مشهد.

حيث يحضر عدنان يحضر العمل أولًا أما هو فيترك للإنجاز أن يتحدث.

وهذه وحدها خصلة تكفي لأن تضع الرجل في مقام مختلف.

لقد ذكّرنا الصنوي بذلك الجيل من الرجال الذين كانت الوظيفة بالنسبة إليهم تكليفًا ومسؤولية لا سلّمًا للصعود الشخصي وكان الوطن عندهم أكبر من الأسماء وخدمة الناس أرفع من البحث عن التصفيق.

ولعل أبلغ ما يكشف معدن هذا الرجل تلك الحملة التي استهدفته في مستهل تعيينه عام 2022م.

كان يستطيع أن يكتب وأن يرد وأن يخوض معركة إعلامية طويلة دفاعًا عن نفسه، لكنه اختار الصمت.
لم يكن صمته عجزًا بل كان ترفّعًا.

كان يعرف أن بعض المعارك تصبح أكبر من حجمها بمجرد الدخول فيها، وأن الإنسان حين يكون واثقًا من سيرته لا يحتاج إلى أن يشرح نفسه كل يوم.

ترك الآخرين يتحدثون عنه وكانت سيرته أبلغ من كل بيان وأقوى من كل رد.

وهكذا هو أبو أحمد لا يرفع صوته ليُسمع، ولا يزاحم الآخرين على مساحة الضوء ولا يجعل من مواقفه الإنسانية مادة للمنّ أو الاستعراض.

يساعد زملاءه وزميلاته متى استطاع ويقف إلى جانب من يحتاجه، ويقدم ما يستطيع تقديمه ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن.

وحين يحاول أحد أن يشكره يرفض.

وحين يُقال له إن موقفه كان كبيرًا يراه واجبًا عاديًا.

وهنا تحديدًا تكمن عظمة الرجال الحقيقيين أن يفعلوا الخير دون أن يجعلوا منه سيرة ذاتية.

في الصحافة حين تصبح الكلمة مسؤولية
أما في ميدان الصحافة فحديث آخر تمامًا.

عدنان الصنوي واحد من الصحفيين اليمنيين الذين تركوا بصمة مهنية واضحة وتجربته الإعلامية ومنها عمله مراسلًا لقناة فرانس 24 تؤكد أن الرجل لم يكن عابرًا في المشهد الإعلامي بل صاحب موهبة حقيقية وحضور مهني مميز.

يمتلك حسًا صحفيًا وقدرة على التقاط جوهر الحكاية ثم صياغتها بلغة دقيقة ورشيقة ومتماسكة.

عنده الخبر ليس مجرد معلومات تُرص في سطور بل حكاية لها روح.

وعنده الكلمة ليست زينة بل مسؤولية.

وعنده العنوان ليس مجرد واجهة للنص بل مفتاح لفهمه.

ولهذا كثيرًا ما يبدو النص الذي يكتبه الصنوي وكأنه خرج من مختبر صحفي شديد الدقة كل كلمة في مكانها وكل جملة تؤدي وظيفتها، وكل تفصيل محسوب حتى يصل الخبر إلى صورته الأكثر اكتمالًا.

والأجمل من ذلك أنه يمتلك تلك الموهبة النادرة التي تجعل الصحفي قادرًا على الجمع بين الدقة المهنية وجمال اللغة وهي معادلة لا يجيدها كثيرون.

وفي المواقف المهنية والإنسانية يكفي أحيانًا أن تستشير عدنان أو تستحضر رأيه لتكتشف كم يختزن هذا الرجل من وعي وتجربة وهدوء ونضج.

إنه من أولئك الذين لا يقدمون لك إجابة سريعة فحسب بل يمنحونك زاوية أخرى للنظر إلى الأشياء.

ولأنني أعرفه أعرف أيضًا أن هذه الكلمات لن تعجبه.

سيبتسم وربما يعترض، وربما يقول: لماذا كل هذا؟

لأنه ببساطة لا يرى في نفسه ما نراه نحن فيه.

هو يرى ما يقدمه واجبًا ونحن نراه قيمة.

هو يرى مواقفه أمرًا عاديًا ونحن نراها أخلاقًا نادرة.

هو لا يحب أن يُكتب عنه ونحن نكتب عنه لأن بعض الرجال حين يمرون في حياتنا يستحقون أن نقول لهم ولو مرة واحدة:
لقد رأيناك.

رأينا أخلاقك

رأينا مهنيتك

رأينا مواقفك

وعرفنا أن النبل ما زال بخير.

يا عدنان الصنوي يا أبا أحمد.

في زمن صار فيه البعض يرفعون أصواتهم أكثر مما يرفعون مستوى أعمالهم بقيت أنت تؤمن بأن العمل الصامت أبقى من الضجيج وأن السيرة الطيبة لا تحتاج إلى حملة إعلامية وأن الرجل يُعرف عند المواقف لا عند المنابر.

نفخر بك لأنك لم تجعل المنصب أكبر منك.

ونحبك لأنك بقيت إنسانًا قبل أن تكون مسؤولًا وصحفيًا قبل أن تكون موظفًا وصاحب مبدأ قبل أن تكون صاحب موقع.

دمت كما أنت هادئًا في حضورك عظيمًا في أثرك نقيًا في مواقفك شامخًا بأخلاقك.

فبعض الرجال لا تُكتب عنهم الكلمات بحثًا عن المجاملة بل تُكتب لأن الصمت أمام سيرتهم يصبح تقصيرًا.

ويا للرفيق حين يكون نبيلًا…
ويا للنبل حين يكون صاحبه عدنان الصنوي.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار