بين الحقيبة ولقمة العيش: العودة المدرسية تشعل معركة جديدة في المحافظات المحررة

موسى المليكي

مع اقتراب كل عام دراسي جديد، يفترض أن تتحول المحافظات المحررة في اليمن إلى ورشة من الاستعداد والفرح؛ أسواق تزدحم بالأسر، وحقائب جديدة على أكتاف الأطفال، ودفاتر نظيفة تنتظر أول درس، وأصوات الصغار تتردد في الطرقات وهم يستعيدون موعدهم مع المدرسة.
لكن المشهد في الواقع أكثر قسوة.
فخلف واجهات المكتبات ومحال الملابس المدرسية، تدور معركة صامتة داخل آلاف البيوت: كيف يمكن لأسرة أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار وتراجع الدخل أن تؤمّن مستلزمات الدراسة، من دون أن تدفع ثمنها من الغذاء والدواء والإيجار؟
في تعز وعدن ولحج وأبين ومأرب وحضرموت وشبوة وسائر المحافظات المحررة، لا تأتي العودة إلى المدرسة هذا العام محمّلة بالفرح وحده، بل تحمل معها فاتورة جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الأعباء التي لم تعد الأسر قادرة على احتمالها.
الحقيبة التي أصبحت اختباراً للفقر
بالنسبة للطفل، قد تكون الحقيبة المدرسية مجرد حقيبة.
أما بالنسبة لوالده، فقد تتحول إلى رقم جديد في دفتر الحسابات، يضاف إليه الزي المدرسي، والحذاء، والدفاتر، والأقلام، والمستلزمات التعليمية، ورسوم النقل، وربما رسوم دراسية أو مساهمات أخرى بحسب المدرسة والمنطقة.
وهنا تبدأ المعضلة.
الأب الذي كان يستطيع في سنوات سابقة أن يجهز أبناءه للمدرسة دفعة واحدة، أصبح مضطراً اليوم إلى ترتيب الاحتياجات وفق قاعدة قاسية: ما الذي لا يمكن تأجيله؟
دفتر قبل دفتر، وقلم قبل قلم، وحذاء قبل الزي، واحتياج أساسي قبل آخر.
وفي الطرف الآخر من المعادلة يقف الطفل، الذي لا يفهم كثيراً في أسعار الصرف ولا في انهيار القدرة الشرائية ولا في ارتفاع تكاليف المعيشة. هو يريد فقط أن يدخل مدرسته مثل بقية زملائه، وأن يحمل حقيبة لا تشبه حقائب السنوات الماضية، وأن يرتدي ملابس لا تجعله يشعر بأنه مختلف عن الآخرين.
وهنا تحديداً يصبح الفقر أكثر إيلاماً؛ لأنه لا يضغط على جيب الأسرة فقط، بل يطرق باب كرامة الطفل ومشاعره أيضاً.
عندما تصبح العودة إلى المدرسة قراراً عائلياً صعباً
الأزمة لا تتوقف عند شراء الأدوات.
في كثير من الأسر محدودة الدخل، تمثل العودة المدرسية بداية موسم طويل من المصروفات اليومية: مواصلات، وجبات، ملابس، مستلزمات تتجدد خلال العام، ومتطلبات تعليمية قد تظهر بصورة مفاجئة.
وبالنسبة لأسرة لديها عدة أطفال في سن الدراسة، فإن المشكلة تتضاعف مع كل طفل.
فما يمكن أن يكون مبلغاً محدوداً لأسرة قادرة على الإنفاق، قد يتحول إلى عبء كبير على أسرة تعيش من دخل يومي متذبذب أو من عمل غير مستقر.
ولهذا، تبدأ بعض الأسر في البحث عن حلول اضطرارية: شراء المستعمل، إعادة استخدام ملابس العام الماضي، تبادل الكتب بين الإخوة، الاستعانة بالأقارب، أو تأجيل بعض المستلزمات إلى ما بعد بدء الدراسة.
لكن هناك أسر لا تملك حتى هذه الخيارات.
وهنا تظهر أخطر نتيجة: التفكير في إخراج طفل من المدرسة أو تقليل أيام حضوره أو دفعه إلى العمل لمساعدة أسرته.
إنها ليست قرارات يتخذها الآباء بسهولة، بل قرارات تُفرض عليهم عندما تصبح كلفة التعليم، في نظر الأسرة، منافسة مباشرة لكلفة الطعام والسكن والعلاج.
تعز… مدينة لا تزال تدفع فاتورة الحرب
في تعز، تبدو هذه الأزمة أكثر وضوحاً.
مدينة عاشت سنوات طويلة تحت ضغط الحرب، وتضررت فيها البنية الاقتصادية، وتقلصت فرص العمل، وازدادت الأعباء على الأسر، تجد نفسها أمام موسم دراسي جديد يضع آلاف العائلات أمام اختبار إضافي.
في أحياء المدينة والريف على حد سواء، لا تقاس العودة إلى المدارس بعدد الحقائب المعروضة في الأسواق، بل بعدد الأطفال الذين يستطيعون الوصول إلى مقاعدهم الدراسية من دون أن تتحول الدراسة إلى عبء يستنزف أسرهم.
فالمدرسة لا تبدأ من باب الفصل.
المدرسة تبدأ من قدرة الأسرة على شراء الدفتر، ومن وجود حذاء يصلح للمشي، ومن توفر أجرة المواصلات، ومن قدرة الأب والأم على مواجهة قائمة الاحتياجات من دون أن يضطر أحدهما إلى الاستدانة.
وحين تفشل الأسرة في تأمين هذه الأشياء، فإن الطفل هو أول من يدفع الثمن.
المحافظات المحررة… أزمة واحدة بوجوه مختلفة
وفي عدن، حيث تختلف طبيعة الحياة والاقتصاد عن تعز، تواجه الأسر بدورها ارتفاع تكاليف المعيشة وما يرافقه من أعباء إضافية مرتبطة بالنقل والملابس والاحتياجات المدرسية.
وفي لحج وأبين وشبوة ومأرب وحضرموت، تتفاوت الظروف من منطقة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك يبقى واحداً: دخل الأسرة لا ينمو بالسرعة نفسها التي تنمو بها احتياجاتها.
وهذا الفارق هو جوهر الأزمة.
فحين ترتفع أسعار السلع، بينما يبقى دخل العامل أو الموظف أو صاحب العمل البسيط محدوداً، فإن الأسرة لا تملك سوى تقليص استهلاكها أو تأجيل احتياجاتها أو الاستدانة.
وفي كل مرة يتم فيها تقليص بند من بنود الإنفاق، يكون التعليم معرضاً للخطر، خصوصاً لدى الأسر التي لديها أكثر من طفل.
والأخطر أن بعض الأسر قد لا تصل إلى قرار واضح بترك التعليم، بل تبدأ القصة بتأخر الطفل عن المدرسة، ثم الغياب المتكرر، ثم البحث عن عمل، قبل أن يتحول الانقطاع المؤقت إلى تسرب دائم.
طفل يحمل حقيبته… وأسرة تحمل همّها
في صباح اليوم الدراسي، قد نرى الطفل يركض باتجاه المدرسة، بينما لا نرى الأب الذي قضى ليلة كاملة في حساب ما دفعه وما تبقى معه.
قد نرى الحقيبة ولا نرى ثمنها.
نرى الدفتر ولا نرى القلق الذي سبق شراءه.
نسمع جرس المدرسة ولا نسمع النقاش الذي دار في المنزل حول: من يذهب إلى المدرسة أولاً؟ ومن يمكن تأجيل احتياجاته؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي الوجه الأكثر إنسانية للأزمة.
فالفقر لا يظهر دائماً في صورة طفل محروم تماماً من المدرسة. أحياناً يظهر في حقيبة ممزقة، أو حذاء ضيق، أو دفتر ناقص، أو طفل يرفض طلب قلم جديد لأنه يعرف أن والده لا يستطيع شراءه.
وأحياناً يظهر في صمت الأم عندما يطلب طفلها شيئاً بسيطاً.
ذلك الصمت قد يكون أقسى من أي كلمة.
ليست المشكلة في الدفتر وحده
من الخطأ اختزال أزمة التعليم في أسعار المستلزمات المدرسية فقط.
فالمشكلة أوسع بكثير.
إنها مرتبطة بتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وتآكل دخل الأسر، وتعدد الالتزامات التي تواجهها الأسرة اليمنية في ظل سنوات طويلة من الأزمة.
وعندما تتراكم هذه العوامل، يصبح التعليم أحد البنود التي تحاول الأسرة المناورة حولها.
لكن التعليم ليس بنداً يمكن الاستغناء عنه مثل شراء قطعة أثاث أو تأجيل إصلاح جهاز منزلي.
التعليم قرار يتعلق بمستقبل طفل كامل.
والطفل الذي يخرج من المدرسة اليوم بحثاً عن مصدر دخل، قد لا يعود إليها غداً.
حين ينافس التعليم لقمة العيش
المشهد الأكثر خطورة هو ذلك الذي تصبح فيه الأسرة مجبرة على الاختيار بين حاجتين أساسيتين: إطعام أطفالها أو تجهيزهم للمدرسة.
لا ينبغي لأي أسرة أن تواجه هذا الخيار.
ولا ينبغي لطفل أن يدفع ثمن أزمة اقتصادية لم يصنعها.
لكن الواقع في اليمن يجعل هذا النوع من الخيارات حاضراً في حياة كثير من الأسر، بدرجات متفاوتة.
ومع كل عام دراسي، يتجدد السؤال: كم طفلاً سيتمكن من عبور بوابة المدرسة؟ وكم طفلاً سيبقى خارجها لأن أسرته لم تستطع تحمل التكلفة؟
السؤال ليس رقمياً فقط، بل مستقبلي.
لأن كل طفل يغادر المدرسة يمثل فجوة جديدة في رأس المال البشري، وكل عام دراسي يخسره طفل قد يصعب تعويضه لاحقاً.
مبادرات صغيرة في مواجهة أزمة كبيرة
وسط هذا الواقع، تظهر مبادرات مجتمعية وأهلية تحاول سد بعض الفجوات: توزيع الحقائب، توفير الملابس، جمع الكتب المستعملة، مساعدة الأسر الأشد احتياجاً، أو إطلاق حملات لدعم الطلاب.
هذه المبادرات مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أزمة بهذا الحجم.
فالعمل الخيري يمكن أن ينقذ طفلاً من عام دراسي صعب، لكنه لا يستطيع بمفرده إصلاح منظومة اقتصادية كاملة.
المطلوب هو أن تتحول قضية التعليم إلى أولوية حقيقية في سياسات السلطات المحلية والجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
فالاستثمار في حقيبة مدرسية اليوم قد يبدو مساعدة بسيطة، لكنه في الحقيقة استثمار في مستقبل طفل وأسرة ومجتمع.
من يدفع الثمن؟
حين ترتفع تكلفة العودة المدرسية، لا يدفع الأب وحده.
يدفع الطفل.
وتدفع الأم.
ويدفع المعلم.
وتدفع المدرسة.
ويدفع المجتمع كله لاحقاً.
لأن التسرب من التعليم لا يبقى مشكلة داخل الأسرة، بل يتحول مع مرور السنوات إلى ارتفاع في معدلات الأمية، وتراجع فرص العمل، وزيادة الفقر، واتساع دائرة العمالة المبكرة، وتراجع قدرة المجتمع على التعافي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تبلغ تكلفة الحقيبة؟
بل: كم سيكلفنا أن نترك جيلاً كاملاً يواجه مستقبله من دون تعليم كافٍ؟
العودة المدرسية يجب ألا تكون موسماً للديون
في كل عام، تتكرر الصورة نفسها: أطفال ينتظرون المدرسة، وأسر تبحث عن الأسعار الأقل، ومحال تزدحم، وموظفون وعمال يحاولون تدبير احتياجات أبنائهم.
لكن استمرار هذه الدائرة عاماً بعد آخر يعني أن الأزمة لم تعد مؤقتة.
لقد أصبحت العودة المدرسية نفسها مؤشراً على حجم الضغط الاقتصادي الذي تعيشه الأسر.
ولهذا، فإن حماية حق الطفل في التعليم تتطلب إجراءات تتجاوز الدعوات العامة.
هناك حاجة إلى دعم الأسر الأكثر فقراً، وتوسيع برامج توزيع المستلزمات المدرسية، وتوفير الكتب بصورة كافية، ودعم النقل المدرسي حيث تكون المواصلات عائقاً، وتعزيز برامج التغذية المدرسية، ومساندة المدارس التي تخدم المجتمعات الأشد احتياجاً.
كما أن القطاع الخاص والمبادرات المجتمعية قادران على لعب دور أكبر عبر تبني حملات مستدامة لا تقتصر على الأيام الأولى من العام الدراسي.
لا تجعلوا الفقر يكتب نهاية الحلم
في نهاية المطاف، القضية ليست حقيبة ولا دفتراً ولا زياً مدرسياً.
القضية طفل يقف على عتبة مستقبله.
طفل لا يعرف لماذا ارتفعت الأسعار، ولا لماذا فقد والده عمله، ولا لماذا أصبحت الأشياء التي يراها عند زملائه بعيدة المنال.
كل ما يعرفه أنه يريد أن يذهب إلى المدرسة.
يريد أن يكتب اسمه في دفتر جديد.
يريد أن يجلس في مقعده.
يريد أن يسمع المعلم.
ويريد أن يحلم.
وفي المحافظات المحررة، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب والأزمة، يجب ألا تتحول صعوبة المعيشة إلى بوابة جديدة لخروج الأطفال من التعليم.
فالمدرسة ليست ترفاً يمكن للأسرة أن تؤجله حتى تتحسن الظروف.
إنها واحدة من أهم فرص النجاة من الفقر نفسه.
وبين الحلم والدفتر، تقف اليوم أسرة يمنية تحاول أن تحمي مستقبل أبنائها بما تبقى لديها من قدرة.
لكن هذه المعركة لا ينبغي أن تخوضها الأسر وحدها.
فإذا كان الطفل يحمل حقيبته إلى المدرسة، فعلى المجتمع والدولة والجهات الداعمة أن تحمل معه جزءاً من هذا العبء.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في سنوات الأزمات ليس المال ولا الممتلكات، بل جيل كامل يكتشف ذات صباح أن الفقر سبقه إلى مقعده الدراسي، وأغلق أمامه باب المستقبل.
وعندما يقرع جرس المدرسة هذا العام، يجب ألا يكون السؤال: من استطاع شراء الحقيبة؟
بل: هل استطعنا جميعاً أن نضمن أن لكل طفل في اليمن المحرر مقعداً، وكتاباً، ودفترًا، وفرصة حقيقية ليحلم؟

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار