حين يصبح الدم الجنوبي مادة للشماتة.. جرح الشهداء والجرحى والأسرى

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب

لم تكن المأساة التي خلفتها أحداث القصف في محافظتي حضرموت والمهرة مجرد لحظة عسكرية عابرة، انتهت بانتهاء الغارات، بل تركت وراءها جراحًا مفتوحة وذاكرة مثقلة بالألم، طالت أسر الشهداء والجرحى والأسرى، وامتدت آثارها إلى رفاقهم وكل من عاش تلك اللحظات القاسية.

وفي خضم تلك الأحداث، التي شهدت قصفًا جويًا نسب إلى الطيران الحربي للمملكة العربية السعودية واستهدف مواقع وقوات جنوبية، يبرز السؤال الإنساني قبل السياسي:

ماذا عن أولئك الذين وجدوا أنفسهم تحت القصف؟

وماذا عن الأسر التي فقدت أبناءها، والجرحى الذين حملوا إصاباتهم معهم، والأسرى الذين تركوا خلفهم عائلات تنتظر معرفة مصيرهم؟

وتزداد قسوة المشهد حين تشير روايات متداولة إلى أن مقاتلين جنوبيين كانوا في عدد من المواقع يعتمدون على أسلحة خفيفة ومحدودة، في مقابل المملكة العربية السعودية تمتلك قوة جوية وقدرات عسكرية متقدمة.

وهنا تتجاوز القضية حدود الخلاف السياسي والعسكري، لتصبح أمام أسئلة حقوقية وإنسانية لا يمكن تجاهلها:

هل جرى التحقق بصورة كافية من طبيعة الأهداف قبل تنفيذ الضربات؟

وهل اتخذت الإجراءات اللازمة لحماية الأرواح؟ وما مصير من سقطوا قتلى وجرحى وأسرى؟

ومن يتحمل مسؤولية إنصاف عائلات الضحايا؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبرئة أي طرف، ولا تجاهل تعقيدات الصراع، وإنما يعني الدفاع عن حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة، والوصول إلى العدالة والإنصاف.

الشهيد الذي عاد إلى أهله خبرًا:

– أقسى ما يمكن أن تعيشه أسرة أن تنتظر عودة ابنها، ثم يصلها خبر استشهاده.

– ذلك الشاب لم يكن مجرد اسم في قائمة خسائر. كان ابنًا تنتظره أمه، وأبًا ربما كان يعيل أسرته، وأخًا يتذكره إخوته، وصديقًا ترك وراءه ذكريات لا تموت.

– حين يسقط الإنسان تحت القصف، لا تنتهي المأساة عند لحظة موته، بل تبدأ مأساة أخرى لعائلته؛ مأساة عنوانها الفقد والانتظار والحسرة.

الجريح.. ضحية لم تنتهِ معركته:

  • أما الجريح، فمعاناته لا تنتهي بانتهاء القتال.
  • قد تصمت الطائرات والقذائف، لكن الألم يبقى في الجسد، وقد يخرج الجريح من ساحة المعركة حيًا، ليبدأ معركة أخرى مع الإصابة والعلاج وتبعاتها التي قد ترافقه طوال حياته.

هؤلاء لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى حقوق واضحة:

– العلاج، والرعاية، والتعويض، والتأهيل، والاحترام، والاعتراف بتضحياتهم.

– الجريح ليس رقمًا في تقرير، وليس حالة تُنسى بمجرد انتهاء الأحداث.

الأسرى.. وجع آخر لا يرى:

أما الأسرى، فتظل قضيتهم من أكثر الملفات الإنسانية إيلامًا بالنسبة إلى عائلاتهم.

هناك أم تنتظر خبرًا، وأب يسأل عن مصير ابنه، وزوجة لا تعرف هل سيعود زوجها أم لا، وأطفال يكبرون وهم يحملون سؤالًا واحدًا:

أين أبي؟

ولهذا يجب أن تبقى قضية الأسرى قضية إنسانية وحقوقية، بعيدًا عن التشفي والانتقام، وبما يحفظ كرامتهم وحقوقهم وفق القواعد الإنسانية ذات الصلة.

حين يتحول الدم إلى مادة للشماتة:

  • قد تختلف الروايات حول تفاصيل الأحداث والمسؤوليات، وقد تختلف القوى السياسية والعسكرية في تفسير ما جرى، لكن ثمة حقيقة إنسانية لا ينبغي أن تكون محل خلاف:
  • الشهداء لن يعودوا، والجرحى سيحملون آثار إصاباتهم، وأسر الأسرى ستظل تنتظر.
  • ومن هنا، فإن تحويل مآسي الضحايا إلى مادة للشماتة أو السخرية لا يخدم العدالة، بل يضيف جرحًا جديدًا إلى جراحهم.
  • فالاختلاف السياسي لا يلغي إنسانية الإنسان، والانتماء السياسي لا يسقط حق الضحية في الكرامة.

الحقيقة أولًا.. ثم العدالة:

ما تحتاجه هذه القضية ليس مزيدًا من السجالات، وإنما تحقيق مستقل وشفاف يكشف الوقائع، ويوثق أعداد الضحايا، ويفحص ظروف القصف، ويحدد المسؤوليات، ويضمن لأسر الشهداء والجرحى والأسرى حقهم في معرفة الحقيقة والإنصاف.

فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى فوق ذاكرة مليئة بالأسئلة التي لم تجد إجابات.

الدم لا يحتاج إلى شماتة، بل إلى عدالة.

والشهيد لا يحتاج إلى مزايدة، بل إلى إنصاف.

والجريح لا يحتاج إلى كلمات عابرة، بل إلى رعاية وكرامة.

والأسير لا يحتاج إلى النسيان، بل إلى أن تبقى قضيته حاضرة حتى يعود إلى أهله.

وفي النهاية، قد تختلف المواقف السياسية حول أحداث القصف، لكن الإنسانية يجب ألا تختلف حول قيمة حياة الإنسان.

فحين يصبح الدم الجنوبي مادةً للشماتة، فإن المأساة لم تعد تختصرها المعركة؛ بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لضمير المجتمع، وقدرته على حماية كرامة الإنسان، واحترام حق الضحايا في الحقيقة والعدالة، حتى في أكثر لحظات الصراع قسوة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار