إنقاذ تعليم تعز يبدأ من الجذور: نحو ثورة إصلاحية تعيد للمدرسة اليمنية رسالتها

موسى المليكي

لم يعد إصلاح التعليم في محافظة تعز ترفًا إداريًا، ولا قضية مؤجلة إلى حين تحسن الظروف العامة في البلاد؛ بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة تمس مستقبل أجيال كاملة، وتحدد إلى حد بعيد قدرة المجتمع على النهوض من أزماته.

فحين تتراجع المدرسة، يتراجع المجتمع. وحين يفقد المعلم حقوقه ومكانته، يفقد التعليم أحد أهم أعمدته. وحين تتحول المدرسة إلى بيئة تعاني من نقص الإمكانات، وغياب الأنشطة، وتراكم المشكلات الإدارية، فإن الخاسر الأول والأخير هو الطالب، أي مستقبل اليمن.
ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح التعليم في تعز ينبغي ألا يكون مجرد حزمة من القرارات الجزئية أو المعالجات المؤقتة، وإنما مشروعًا شاملًا لإعادة بناء المنظومة التعليمية من القاعدة إلى القمة؛ إداريًا، وأكاديميًا، وماديًا، ومجتمعيًا.
تغيير الإدارة قبل أن نطالب المدرسة بالنتائج
إذا أرادت وزارة التربية والتعليم إصلاح مسار التعليم في تعز، فإن البداية الطبيعية يجب أن تكون من إصلاح الإدارة التعليمية نفسها.
المطلوب هو إجراء مراجعة شاملة لأداء مكتب التربية والتعليم وفروعه في المديريات، ووضع معايير واضحة للكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن المحاصصة والمجاملات والولاءات الشخصية أو السياسية.
كما ينبغي إعادة تقييم مديري الإدارات ورؤساء الأقسام في المكتب وفروعه، وإفساح المجال أمام الكفاءات القادرة على الإدارة الحديثة، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، والموقع الوظيفي بالإنجاز.
فالمدرسة لا يمكن أن تنتج تعليمًا جيدًا إذا كانت الإدارة التي تقودها تعاني من الجمود أو الترهل أو غياب التخطيط.
المدرسة ليست جدرانًا وسبورة
لا يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم بينما ما تزال بعض المدارس بحاجة إلى صيانة وتأهيل، أو تفتقر إلى المختبرات والمعامل والمكتبات والوسائل التعليمية الأساسية.
ولهذا يجب وضع خطة عاجلة لإعادة تأهيل البنية التحتية التعليمية في تعز، تبدأ بحصر الاحتياجات الفعلية لكل مدرسة، ثم ترتيب الأولويات وفق معايير واضحة وشفافة.
فالطالب الذي يتعلم العلوم من دون مختبر، والتكنولوجيا من دون أدوات، والبحث من دون مكتبة، يعيش فجوة بين ما يسمعه في الكتاب وما يراه في العالم.
نحن لا نحتاج إلى مدارس جميلة في الصور فقط، بل إلى مدارس صالحة للتعلم الحقيقي.
لكل مدرسة موازنة تشغيلية
من غير المنطقي أن نطالب مدير المدرسة بتنفيذ برامج وأنشطة ومسابقات تعليمية وثقافية ورياضية، ثم نتركه يبحث عن أبسط الاحتياجات التشغيلية.
إن تخصيص موازنة تشغيلية كافية ومستقرة لكل مدرسة أصبح ضرورة، على أن تكون هذه الموازنة مرتبطة بخطة واضحة، وتخضع للرقابة والمراجعة، وتوفر للمدرسة احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك تفعيل الأنشطة والبرامج اللاصفية.
فالأنشطة المدرسية ليست هامشًا زائدًا؛ إنها جزء من بناء شخصية الطالب، واكتشاف مواهبه، وتعزيز ثقته بنفسه وروح العمل الجماعي لديه.
المعلم أولًا
لا يمكن إصلاح التعليم من دون إنصاف المعلم.
المعلم الذي يعيش تحت ضغط الحاجة، أو ينتظر مستحقاته، أو يواجه صعوبات النقل والمعيشة، سيكون من الصعب مطالبته بأداء استثنائي مهما كانت درجة إخلاصه.
لذلك يجب أن يكون تحسين أوضاع المعلمين أولوية حقيقية، من خلال صرف مستحقاتهم المالية، وتوفير البدلات والمواصلات وفق الإمكانات المتاحة، ووضع حوافز مجزية تشجع المعلم على الاستمرار والعطاء.
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة الجادة توفير حافز إضافي يعادل نصف الراتب للمعلمين، وفق آلية عادلة ومستدامة تراعي موارد الدولة والإمكانات المالية المتاحة.
إن الاستثمار في المعلم ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في الإنسان وفي مستقبل البلاد.
التدوير الإداري والتربوي ضرورة لكسر الجمود
ومن الإجراءات التي يمكن دراستها أيضًا تدوير المعلمين داخل نطاق المديرية، بحيث لا يبقى المعلم في المدرسة نفسها إلى أجل غير محدد، مع مراعاة التخصص والظروف الإنسانية والاحتياجات التعليمية.
ويمكن اعتماد مدة استرشادية لا تتجاوز ثلاث سنوات في المدرسة الواحدة، متى كانت ظروف المديرية تسمح بذلك، بهدف تجديد الخبرات وتبادل التجارب والحد من نشوء أنماط العمل الجامدة.
لكن هذا التدوير يجب ألا يتحول إلى عقوبة أو وسيلة للضغط على المعلم، بل إلى سياسة تربوية مدروسة تقوم على العدالة والشفافية.
الطالب يحتاج إلى من يتابع مشكلته
الطالب ليس رقمًا في كشف الحضور، وليس مجرد درجة في نتيجة الامتحان.
هناك طالب يعاني ضعفًا في القراءة، وآخر لديه مشكلة أسرية، وثالث يعاني صعوبة في التركيز، ورابع فقد الدافعية، وخامس يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وزيادة عدد الأخصائيين بحسب حجم المدرسة، بحيث يستطيعون متابعة الحالات الفردية، واكتشاف أسباب التعثر الدراسي، والتواصل مع الأسرة، ووضع برامج لمعالجة الضعف قبل أن يتحول إلى فشل مزمن.
التعليم الناجح لا ينتظر الطالب حتى يسقط؛ بل يكتشف أسباب سقوطه قبل أن يحدث.
المدرسة مكان للتعليم لا للصراع الحزبي
من أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة التعليمية تحويلها إلى ساحة للصراع السياسي أو الحزبي.
المدرسة يجب أن تكون مساحة آمنة للعلم، والحوار، واحترام التنوع، وتكوين العقل النقدي، لا منصة للتعبئة الحزبية.
ولهذا يجب منع أي نشاط حزبي داخل المدارس، ووضع ضوابط واضحة تضمن حياد المؤسسة التعليمية، مع إحالة أي مخالفة إلى التحقيق الإداري وفق القانون واللوائح النافذة، واتخاذ العقوبة المناسبة والمتدرجة بحسب طبيعة المخالفة وثبوتها.
فالطالب يجب أن يدخل المدرسة ليتعلم كيف يفكر، لا ليتلقى توجيهات سياسية جاهزة.
إعادة بناء الثقة بين المدرسة والأسرة
جزء كبير من مشكلات التعليم يمكن التعامل معه إذا أصبحت الأسرة شريكًا حقيقيًا في العملية التعليمية.
ولهذا نحتاج إلى إنشاء قنوات فعالة للعلاقات العامة والتواصل بين المدرسة وأولياء الأمور، بحيث لا يقتصر التواصل على استدعاء ولي الأمر عندما يقع الطالب في مشكلة.
ينبغي أن تكون هناك لقاءات دورية، وتقارير واضحة عن مستوى الطالب، وقنوات تواصل منظمة، ومشاركة مجتمعية في معالجة احتياجات المدرسة.
فالمدرسة والأسرة شريكان، وإذا عمل كل طرف بمعزل عن الآخر دفع الطالب الثمن.
مجلس تربوي مجتمعي في كل مديرية
ومن الأفكار التي يمكن أن تساعد في مواجهة العجز القائم تشكيل مجلس أعلى للتربية والتعليم على مستوى كل مديرية، وفق نظام داخلي واضح يحدد الاختصاصات والمهام، ويضمن استقلاله عن التجاذبات الحزبية والسياسية.
ويضم المجلس شخصيات تربوية ومجتمعية وأكاديمية وأولياء أمور وشخصيات ذات خبرة، بحيث يعمل على رصد احتياجات التعليم، وتحديد الأولويات، وحشد الدعم المجتمعي، والمساهمة في سد جوانب العجز التي لا تستطيع الحكومة تغطيتها في الظروف الحالية.
لكن نجاح هذا المجلس يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون مجلسًا للتعليم لا مجلسًا للمحاصصة.
الغش: جريمة تربوية لا مجرد مخالفة امتحانية
أما ظاهرة الغش، فهي واحدة من أخطر الأمراض التي تهدد مستقبل التعليم.
فالطالب الذي يحصل على شهادة بالغش لا يخدع الامتحان فقط؛ بل يخدع نفسه ومجتمعه، ويحصل على مؤهل لا يعكس قدرته الحقيقية.
وفي المقابل، فإن المدرس أو الموظف الذي يساعد على الغش يضرب جوهر العملية التعليمية ويهدم قيمة الشهادة التي يفترض أن تمثل مستوى حقيقيًا من المعرفة والكفاءة.
ولهذا يجب وضع سياسة صارمة لمكافحة الغش، تشمل إجراءات وقائية ورقابية وعقوبات واضحة، مع ضمان التحقيق العادل وحق الدفاع وعدم توقيع أي عقوبة إلا بعد ثبوت المخالفة وفق القانون.
ويمكن للجهات المختصة دراسة تشديد العقوبات التأديبية على الموظفين التربويين الذين يثبت تورطهم في تسهيل الغش، وصولًا إلى الفصل من الخدمة في الحالات الجسيمة، وإحالة من تنطبق على فعله أوصاف جريمة جنائية إلى الجهات القضائية المختصة وفق الإجراءات القانونية.
أما الطالب، فينبغي أن تكون العقوبة تربوية ورادعة ومتناسبة مع المخالفة، مع مراعاة سنه واللوائح المنظمة للامتحانات، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عقوبة عشوائية.
المطلوب ليس وزيرًا يدير الأزمة… بل قيادة تطلق مشروع إنقاذ
إن إصلاح التعليم في تعز يحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة على اتخاذ القرارات، والقدرة على مواجهة الاختلالات، والاستعداد لسماع النقد، والإيمان بأن التعليم قضية وطنية فوق المصالح الشخصية والحزبية.
نحن لا نحتاج إلى تغيير أسماء لمجرد التغيير، ولا إلى قرارات مكتبية تظل حبيسة الأدراج.
نحتاج إلى مشروع إصلاح معلن، بجدول زمني ومؤشرات أداء وموازنة ومسؤوليات واضحة.
نحتاج إلى معرفة: كم مدرسة ستتم صيانتها؟ كم مختبرًا سيُعاد تشغيله؟ كم معلمًا ستتحسن أوضاعه؟ كم طالبًا سيحصل على دعم تعليمي؟ ما نسبة انخفاض التسرب؟ وما مستوى التحسن في التحصيل الدراسي؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح.
تعز تستحق مدرسة تليق بمكانتها
تعز ليست محافظة عادية في الوعي اليمني؛ إنها مدينة ارتبط اسمها تاريخيًا بالعلم والثقافة والتعليم، ولذلك فإن إنقاذ تعليمها ليس شأنًا إداريًا محليًا فحسب، وإنما رسالة وطنية.
إن إنقاذ المدرسة في تعز يعني إنقاذ جيل.
وإعادة الاعتبار للمعلم تعني إعادة الاعتبار للعلم.
ومكافحة الغش تعني الدفاع عن قيمة الشهادة.
وإبعاد السياسة الحزبية عن المدرسة يعني حماية عقل الطالب.
وتوفير المختبر والمكتبة والنشاط المدرسي يعني نقل التعليم من الحفظ والتلقين إلى الفهم والإبداع.
إن معركة التعليم لا تُحسم بالشعارات، وإنما بالقرارات الجريئة، والموارد، والرقابة، والمحاسبة، والقيادة التي تؤمن بأن بناء الإنسان هو أقصر طريق لبناء الوطن.
ولهذا، فإن وزير التربية والتعليم، ومكتب التربية في تعز، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، وأولياء الأمور، والمعلمين، جميعهم أمام مسؤولية تاريخية.
فإما أن نواصل إدارة الأزمة، ونترك أجيالًا جديدة تدفع ثمن أخطاء اليوم، وإما أن نبدأ الآن مشروعًا حقيقيًا لإصلاح التعليم.
وتعز التي أنجبت أجيالًا من العلماء والمثقفين تستحق أن تعود مدارسها إلى صناعة المستقبل، لا أن تظل أسيرة لأزمات الحاضر.
تحية للتعليم في اليمن… وتحية لكل معلم ما زال يحمل رسالته رغم كل الظروف.إنقاذ تعليم تعز يبدأ من الجذور: نحو ثورة إصلاحية تعيد للمدرسة اليمنية رسالتها

موسى المليكي.

لم يعد إصلاح التعليم في محافظة تعز ترفًا إداريًا، ولا قضية مؤجلة إلى حين تحسن الظروف العامة في البلاد؛ بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة تمس مستقبل أجيال كاملة، وتحدد إلى حد بعيد قدرة المجتمع على النهوض من أزماته.

فحين تتراجع المدرسة، يتراجع المجتمع. وحين يفقد المعلم حقوقه ومكانته، يفقد التعليم أحد أهم أعمدته. وحين تتحول المدرسة إلى بيئة تعاني من نقص الإمكانات، وغياب الأنشطة، وتراكم المشكلات الإدارية، فإن الخاسر الأول والأخير هو الطالب، أي مستقبل اليمن.
ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح التعليم في تعز ينبغي ألا يكون مجرد حزمة من القرارات الجزئية أو المعالجات المؤقتة، وإنما مشروعًا شاملًا لإعادة بناء المنظومة التعليمية من القاعدة إلى القمة؛ إداريًا، وأكاديميًا، وماديًا، ومجتمعيًا.
تغيير الإدارة قبل أن نطالب المدرسة بالنتائج
إذا أرادت وزارة التربية والتعليم إصلاح مسار التعليم في تعز، فإن البداية الطبيعية يجب أن تكون من إصلاح الإدارة التعليمية نفسها.
المطلوب هو إجراء مراجعة شاملة لأداء مكتب التربية والتعليم وفروعه في المديريات، ووضع معايير واضحة للكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن المحاصصة والمجاملات والولاءات الشخصية أو السياسية.
كما ينبغي إعادة تقييم مديري الإدارات ورؤساء الأقسام في المكتب وفروعه، وإفساح المجال أمام الكفاءات القادرة على الإدارة الحديثة، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، والموقع الوظيفي بالإنجاز.
فالمدرسة لا يمكن أن تنتج تعليمًا جيدًا إذا كانت الإدارة التي تقودها تعاني من الجمود أو الترهل أو غياب التخطيط.
المدرسة ليست جدرانًا وسبورة
لا يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم بينما ما تزال بعض المدارس بحاجة إلى صيانة وتأهيل، أو تفتقر إلى المختبرات والمعامل والمكتبات والوسائل التعليمية الأساسية.
ولهذا يجب وضع خطة عاجلة لإعادة تأهيل البنية التحتية التعليمية في تعز، تبدأ بحصر الاحتياجات الفعلية لكل مدرسة، ثم ترتيب الأولويات وفق معايير واضحة وشفافة.
فالطالب الذي يتعلم العلوم من دون مختبر، والتكنولوجيا من دون أدوات، والبحث من دون مكتبة، يعيش فجوة بين ما يسمعه في الكتاب وما يراه في العالم.
نحن لا نحتاج إلى مدارس جميلة في الصور فقط، بل إلى مدارس صالحة للتعلم الحقيقي.
لكل مدرسة موازنة تشغيلية
من غير المنطقي أن نطالب مدير المدرسة بتنفيذ برامج وأنشطة ومسابقات تعليمية وثقافية ورياضية، ثم نتركه يبحث عن أبسط الاحتياجات التشغيلية.
إن تخصيص موازنة تشغيلية كافية ومستقرة لكل مدرسة أصبح ضرورة، على أن تكون هذه الموازنة مرتبطة بخطة واضحة، وتخضع للرقابة والمراجعة، وتوفر للمدرسة احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك تفعيل الأنشطة والبرامج اللاصفية.
فالأنشطة المدرسية ليست هامشًا زائدًا؛ إنها جزء من بناء شخصية الطالب، واكتشاف مواهبه، وتعزيز ثقته بنفسه وروح العمل الجماعي لديه.
المعلم أولًا
لا يمكن إصلاح التعليم من دون إنصاف المعلم.
المعلم الذي يعيش تحت ضغط الحاجة، أو ينتظر مستحقاته، أو يواجه صعوبات النقل والمعيشة، سيكون من الصعب مطالبته بأداء استثنائي مهما كانت درجة إخلاصه.
لذلك يجب أن يكون تحسين أوضاع المعلمين أولوية حقيقية، من خلال صرف مستحقاتهم المالية، وتوفير البدلات والمواصلات وفق الإمكانات المتاحة، ووضع حوافز مجزية تشجع المعلم على الاستمرار والعطاء.
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة الجادة توفير حافز إضافي يعادل نصف الراتب للمعلمين، وفق آلية عادلة ومستدامة تراعي موارد الدولة والإمكانات المالية المتاحة.
إن الاستثمار في المعلم ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في الإنسان وفي مستقبل البلاد.
التدوير الإداري والتربوي ضرورة لكسر الجمود
ومن الإجراءات التي يمكن دراستها أيضًا تدوير المعلمين داخل نطاق المديرية، بحيث لا يبقى المعلم في المدرسة نفسها إلى أجل غير محدد، مع مراعاة التخصص والظروف الإنسانية والاحتياجات التعليمية.
ويمكن اعتماد مدة استرشادية لا تتجاوز ثلاث سنوات في المدرسة الواحدة، متى كانت ظروف المديرية تسمح بذلك، بهدف تجديد الخبرات وتبادل التجارب والحد من نشوء أنماط العمل الجامدة.
لكن هذا التدوير يجب ألا يتحول إلى عقوبة أو وسيلة للضغط على المعلم، بل إلى سياسة تربوية مدروسة تقوم على العدالة والشفافية.
الطالب يحتاج إلى من يتابع مشكلته
الطالب ليس رقمًا في كشف الحضور، وليس مجرد درجة في نتيجة الامتحان.
هناك طالب يعاني ضعفًا في القراءة، وآخر لديه مشكلة أسرية، وثالث يعاني صعوبة في التركيز، ورابع فقد الدافعية، وخامس يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وزيادة عدد الأخصائيين بحسب حجم المدرسة، بحيث يستطيعون متابعة الحالات الفردية، واكتشاف أسباب التعثر الدراسي، والتواصل مع الأسرة، ووضع برامج لمعالجة الضعف قبل أن يتحول إلى فشل مزمن.
التعليم الناجح لا ينتظر الطالب حتى يسقط؛ بل يكتشف أسباب سقوطه قبل أن يحدث.
المدرسة مكان للتعليم لا للصراع الحزبي
من أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة التعليمية تحويلها إلى ساحة للصراع السياسي أو الحزبي.
المدرسة يجب أن تكون مساحة آمنة للعلم، والحوار، واحترام التنوع، وتكوين العقل النقدي، لا منصة للتعبئة الحزبية.
ولهذا يجب منع أي نشاط حزبي داخل المدارس، ووضع ضوابط واضحة تضمن حياد المؤسسة التعليمية، مع إحالة أي مخالفة إلى التحقيق الإداري وفق القانون واللوائح النافذة، واتخاذ العقوبة المناسبة والمتدرجة بحسب طبيعة المخالفة وثبوتها.
فالطالب يجب أن يدخل المدرسة ليتعلم كيف يفكر، لا ليتلقى توجيهات سياسية جاهزة.
إعادة بناء الثقة بين المدرسة والأسرة
جزء كبير من مشكلات التعليم يمكن التعامل معه إذا أصبحت الأسرة شريكًا حقيقيًا في العملية التعليمية.
ولهذا نحتاج إلى إنشاء قنوات فعالة للعلاقات العامة والتواصل بين المدرسة وأولياء الأمور، بحيث لا يقتصر التواصل على استدعاء ولي الأمر عندما يقع الطالب في مشكلة.
ينبغي أن تكون هناك لقاءات دورية، وتقارير واضحة عن مستوى الطالب، وقنوات تواصل منظمة، ومشاركة مجتمعية في معالجة احتياجات المدرسة.
فالمدرسة والأسرة شريكان، وإذا عمل كل طرف بمعزل عن الآخر دفع الطالب الثمن.
مجلس تربوي مجتمعي في كل مديرية
ومن الأفكار التي يمكن أن تساعد في مواجهة العجز القائم تشكيل مجلس أعلى للتربية والتعليم على مستوى كل مديرية، وفق نظام داخلي واضح يحدد الاختصاصات والمهام، ويضمن استقلاله عن التجاذبات الحزبية والسياسية.
ويضم المجلس شخصيات تربوية ومجتمعية وأكاديمية وأولياء أمور وشخصيات ذات خبرة، بحيث يعمل على رصد احتياجات التعليم، وتحديد الأولويات، وحشد الدعم المجتمعي، والمساهمة في سد جوانب العجز التي لا تستطيع الحكومة تغطيتها في الظروف الحالية.
لكن نجاح هذا المجلس يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون مجلسًا للتعليم لا مجلسًا للمحاصصة.
الغش: جريمة تربوية لا مجرد مخالفة امتحانية
أما ظاهرة الغش، فهي واحدة من أخطر الأمراض التي تهدد مستقبل التعليم.
فالطالب الذي يحصل على شهادة بالغش لا يخدع الامتحان فقط؛ بل يخدع نفسه ومجتمعه، ويحصل على مؤهل لا يعكس قدرته الحقيقية.
وفي المقابل، فإن المدرس أو الموظف الذي يساعد على الغش يضرب جوهر العملية التعليمية ويهدم قيمة الشهادة التي يفترض أن تمثل مستوى حقيقيًا من المعرفة والكفاءة.
ولهذا يجب وضع سياسة صارمة لمكافحة الغش، تشمل إجراءات وقائية ورقابية وعقوبات واضحة، مع ضمان التحقيق العادل وحق الدفاع وعدم توقيع أي عقوبة إلا بعد ثبوت المخالفة وفق القانون.
ويمكن للجهات المختصة دراسة تشديد العقوبات التأديبية على الموظفين التربويين الذين يثبت تورطهم في تسهيل الغش، وصولًا إلى الفصل من الخدمة في الحالات الجسيمة، وإحالة من تنطبق على فعله أوصاف جريمة جنائية إلى الجهات القضائية المختصة وفق الإجراءات القانونية.
أما الطالب، فينبغي أن تكون العقوبة تربوية ورادعة ومتناسبة مع المخالفة، مع مراعاة سنه واللوائح المنظمة للامتحانات، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عقوبة عشوائية.
المطلوب ليس وزيرًا يدير الأزمة… بل قيادة تطلق مشروع إنقاذ
إن إصلاح التعليم في تعز يحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة على اتخاذ القرارات، والقدرة على مواجهة الاختلالات، والاستعداد لسماع النقد، والإيمان بأن التعليم قضية وطنية فوق المصالح الشخصية والحزبية.
نحن لا نحتاج إلى تغيير أسماء لمجرد التغيير، ولا إلى قرارات مكتبية تظل حبيسة الأدراج.
نحتاج إلى مشروع إصلاح معلن، بجدول زمني ومؤشرات أداء وموازنة ومسؤوليات واضحة.
نحتاج إلى معرفة: كم مدرسة ستتم صيانتها؟ كم مختبرًا سيُعاد تشغيله؟ كم معلمًا ستتحسن أوضاعه؟ كم طالبًا سيحصل على دعم تعليمي؟ ما نسبة انخفاض التسرب؟ وما مستوى التحسن في التحصيل الدراسي؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح.
تعز تستحق مدرسة تليق بمكانتها
تعز ليست محافظة عادية في الوعي اليمني؛ إنها مدينة ارتبط اسمها تاريخيًا بالعلم والثقافة والتعليم، ولذلك فإن إنقاذ تعليمها ليس شأنًا إداريًا محليًا فحسب، وإنما رسالة وطنية.
إن إنقاذ المدرسة في تعز يعني إنقاذ جيل.
وإعادة الاعتبار للمعلم تعني إعادة الاعتبار للعلم.
ومكافحة الغش تعني الدفاع عن قيمة الشهادة.
وإبعاد السياسة الحزبية عن المدرسة يعني حماية عقل الطالب.
وتوفير المختبر والمكتبة والنشاط المدرسي يعني نقل التعليم من الحفظ والتلقين إلى الفهم والإبداع.
إن معركة التعليم لا تُحسم بالشعارات، وإنما بالقرارات الجريئة، والموارد، والرقابة، والمحاسبة، والقيادة التي تؤمن بأن بناء الإنسان هو أقصر طريق لبناء الوطن.
ولهذا، فإن وزير التربية والتعليم، ومكتب التربية في تعز، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، وأولياء الأمور، والمعلمين، جميعهم أمام مسؤولية تاريخية.
فإما أن نواصل إدارة الأزمة، ونترك أجيالًا جديدة تدفع ثمن أخطاء اليوم، وإما أن نبدأ الآن مشروعًا حقيقيًا لإصلاح التعليم.
وتعز التي أنجبت أجيالًا من العلماء والمثقفين تستحق أن تعود مدارسها إلى صناعة المستقبل، لا أن تظل أسيرة لأزمات الحاضر.
تحية للتعليم في اليمن… وتحية لكل معلم ما زال يحمل رسالته رغم كل الظروف.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار