كنت أعتقد أنك حكيمًا يا عيدروس

موسى المليكي
منذ الأحداث الأولى في محافظتي حضرموت والمهرة، وبعد التطورات التي شهدتها المنطقة العسكرية الأولى والثانية، تساءلت: هل ستتضح عقلية الرئيس عيدروس الزبيدي بوصفه رجل دولة يتعامل بالحكمة السياسية، وينسّق ضمن إطار مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، وبما يخدم استقرار المحافظات الشرقية ويجنبها أي توتر؟
غير أن مجريات الأحداث – من وجهة نظري – أظهرت تأثرًا بنصائح بعض المحيطين، وهي نصائح ربما لم تُقدَّر نتائجها السياسية بدقة، ما أدى إلى قرارات أثارت جدلًا واسعًا وأضعفت الموقف بدل أن تعززه.
وفي المقابل، برزت شخصيات جنوبية تعاملت مع المشهد بدرجة عالية من التعقل وضبط النفس، ومن بينها الشيخ عمر بن حبريش، الذي ظهر كفاعل سياسي واجتماعي يتحرك بثقة، ويعتمد على الحوار والتنسيق مع قيادة الدولة ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي.
ومع كامل الاحترام لشخص الرئيس عيدروس الزبيدي، فإن الاختلاف هنا هو اختلاف في النهج السياسي لا في النوايا؛ فالمشهد السياسي يتطلب إدارة توازنات دقيقة، واستيعابًا لمتغيرات داخلية وإقليمية معقدة، وليس فقط الحضور الميداني أو الخطاب التعبوي.
وخلال عملي السابق في عدة مؤسسات إعلامية جنوبية، بما فيها العمل المرتبط بالمجلس الانتقالي، واجهت تحديات قانونية ومهنية نتيجة مواد إعلامية أثارت نقاشًا عامًا حول أداء بعض القطاعات. ومن هذه التجربة أدركت أهمية وجود مستشارين مهنيين يقدّمون قراءة واقعية للنتائج المحتملة لأي موقف أو قرار.
وكان من المؤمل الاستفادة من خبرات وطنية معروفة بالحكمة والاتزان، مثل الدكتور عبدالرحمن السقاف، لما يتمتع به من تجربة سياسية وفكرية معروفة، قادرة على الإسهام في ترشيد القرار.
أما التطورات الأخيرة في محافظة حضرموت، وما رافقها من توتر ورفض شعبي لوجود بعض التشكيلات المسلحة، فقد كشفت حجم التعقيد في المشهد، وأكدت أن أي مقاربة لا تقوم على التوافق والحوار ستواجه صعوبات حقيقية، خاصة في ظل الدور الإقليمي الفاعل للمملكة العربية السعودية باعتبارها شريكًا أساسيًا في دعم الشرعية والاستقرار.
إن فرض هيبة الدولة، وفقًا للمرجعيات المتفق عليها، يفترض أن يتم من خلال المؤسسات الرسمية، وبالتدرج والتنسيق بين جميع المحافظات المحررة، بما يضمن عدم الدخول في صدامات داخلية تُضعف الجميع.
وأؤكد هنا أن نقدي لا يستهدف إقصاء المجلس الانتقالي أو إضعافه، بل ينطلق من قناعة بضرورة وجود توازن سياسي حقيقي بين مختلف المكونات، واحترام الصلاحيات الدستورية، وتجنب القرارات المتسرعة التي قد تُفهم خارج سياقها.
كما أن تقييم أداء بعض المسؤولين التنفيذيين أو الكيانات السياسية هو تقييم سياسي عام يخضع للاجتهاد والاختلاف، ولا يُقصد به الإساءة الشخصية، بل قراءة نتائج على الأرض تستوجب المراجعة والتصحيح.
وفيما يتعلق بالحراك الجماهيري والساحات، فإن التجربة أثبتت أن إدارة الشارع تتطلب حسابات دقيقة، خاصة عندما يكون المكون السياسي شريكًا في السلطة، بحيث لا يتحول الحراك إلى أداة ضغط قد تُستغل ضد القضية نفسها.
وأخيرًا، فإن الشعارات والهويات السياسية يجب أن تُطرح بوضوح تاريخي وقانوني، وبما ينسجم مع الواقع السياسي، حتى لا تختلط الرموز أو تُساء قراءتها، وهو أمر تتحمل مسؤوليته القيادات والنخب قبل الجماهير.
حفظ الله هذا الوطن من الانقسام، ومن أخطاء تُرتكب باسم النوايا الحسنة
في زمن تختلط فيه السياسة بالحرب، وتضيع فيه الحقيقة بين الشعارات.



