كيف تحوّل الشباب اليمني إلى وقود لحرب لا يعرفون حتى أسبابها؟

موسى المليكي.

في كل حرب هناك ضحايا معروفون، تُنقل صورهم على الشاشات، وتُروى قصصهم في نشرات الأخبار، لكن هناك دائماً ضحايا آخرون يسقطون بصمت، بعيداً عن الكاميرات والاهتمام الدولي.ومن بين أكثر القصص وجعاً وإهمالاً، تبرز اليوم مأساة الشباب اليمني في الأراضي الروسية، أولئك الذين خرجوا من وطنهم هرباً من الموت، فوجدوا أنفسهم محاصرين داخل موتٍ جديد، في حرب ليست حربهم، وعلى أرض لا يعرفون لغتها ولا تاريخها ولا أسباب صراعها.
اليمني الذي عاش سنوات طويلة تحت القصف والجوع والانهيار الاقتصادي، لم يكن يبحث عن المجد العسكري ولا عن خوض المعارك، بل كان يبحث فقط عن فرصة حياة. عن راتب يسند به أسرته، أو دراسة تفتح له باب المستقبل، أو حتى مكان آمن يهرب إليه من وطنٍ تحوّل إلى مساحة مفتوحة للمعاناة. لكن المأساة الحقيقية بدأت حين تحولت أحلام النجاة إلى طريق يقود مباشرة نحو ساحات القتال.
خلال السنوات الأخيرة، ازدادت أعداد الشباب اليمنيين الذين سافروا إلى روسيا بطرق مختلفة؛ بعضهم عبر تأشيرات دراسة، وآخرون عبر عقود عمل أو وسطاء وسماسرة استغلوا أوضاعهم المعيشية الصعبة.

كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون إلى حياة جديدة، لكن كثيراً منهم اكتشفوا متأخرين أنهم دخلوا إلى شبكة معقدة من الاستغلال والضياع. فالغربة القاسية، والجهل باللغة، وضعف الإمكانيات، وانعدام الحماية القانونية، كلها عوامل جعلت هؤلاء الشباب أهدافاً سهلة للاستدراج والاستغلال.

بعض الروايات تتحدث عن يمنيين تم إغراؤهم برواتب مغرية وفرص عمل، ثم وجدوا أنفسهم داخل معسكرات تدريب أو في خطوط مواجهة مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.

آخرون تحدثوا عن ضغوط مورست عليهم مقابل تسوية أوضاعهم القانونية أو الحصول على الإقامة والجنسية. وفي كل الأحوال، النتيجة واحدة: شباب يمنيون يتحولون إلى وقود لصراع دولي معقد لا يربطهم به أي شيء.

المأساة لم تعد مجرد قصص متفرقة أو شائعات تتناقلها مواقع التواصل، بل أصبحت واقعاً صادماً يتكرر يوماً بعد آخر. وآخر هذه الوقائع المؤلمة قصة الشاب اليمني الذي ظهر أسيراً لدى القوات الأوكرانية، في مشهد هزّ قلوب اليمنيين وأعاد فتح الجرح الكبير من جديد. لم يكن المشهد مجرد صورة أسير حرب، بل كان اختصاراً مكثفاً لحجم المأساة التي يعيشها اليمنيون في الخارج. شاب يمني، بملامح يمنية خالصة ولهجة يمنية موجوعة، يظهر وسط حرب أوروبية كبرى لا يعرف معظم اليمنيين حتى تفاصيلها السياسية والعسكرية.

ذلك المشهد لم يكن عادياً. لأنه كشف الحقيقة القاسية التي حاول كثيرون تجاهلها: هناك شباب يمنيون يُدفع بهم إلى جبهات القتال في ظروف غامضة، بينما تقف أسرهم في اليمن عاجزة عن فعل أي شيء سوى الانتظار والخوف والبكاء.

تخيّل حجم المأساة حين تكون أم يمنية في إحدى القرى أو المدن المنهكة بالحرب، تنتظر اتصالاً من ابنها الذي سافر بحثاً عن لقمة العيش، ثم تفاجأ برؤية صورته أسيراً في حرب دولية على بعد آلاف الكيلومترات. أي كابوس هذا؟ وأي انهيار إنساني يمكن أن يدفع بشاب يمني إلى أن يصبح جزءاً من حرب لا تخصه؟
إن ما يحدث يكشف جانباً مرعباً من معاناة اليمنيين اليوم. فالحرب في اليمن لم تكتفِ بقتل الناس داخل البلاد، بل دفعت أبناءها إلى المنافي، وهناك أيضاً تطاردهم المآسي بأشكال مختلفة. أصبح اليمني محاصراً أينما ذهب؛ إن بقي في بلده أكلته الحرب والفقر، وإن هاجر بحثاً عن النجاة، اصطادته شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر والحروب الدولية.

الأسوأ من ذلك أن كثيراً من هؤلاء الشباب سافروا وهم في سن صغيرة، دون وعي كامل بحجم المخاطر، مدفوعين باليأس والحاجة. فحين يغيب الأمل داخل الوطن، تصبح أي فرصة في الخارج مغرية مهما كانت غامضة. وهنا تتحول الحاجة إلى سلاح خطير يُستخدم ضد الإنسان نفسه.

لا يمكن الحديث عن هذه المأساة دون التوقف أمام المسؤولية الأخلاقية والإنسانية. فهناك جهات تستغل هشاشة الشباب اليمني وفقرهم، وتحوّلهم إلى أدوات في صراعات سياسية وعسكرية كبرى. وهناك أيضاً تقصير واضح في حماية اليمنيين في الخارج، سواء عبر التوعية أو المتابعة أو التحرك الدبلوماسي الحقيقي.

إن الشاب اليمني الذي يظهر اليوم أسيراً في أوكرانيا، كان يمكن أن يكون طالباً جامعياً أو مهندساً أو طبيباً أو معلماً لو أن بلده امتلك الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة والفرص. لكنه وُلد في زمن عربي قاسٍ، وفي بلد مزقته الحروب، فوجد نفسه يهرب من جحيم إلى جحيم أكبر.

المشكلة ليست فقط في الحرب الروسية الأوكرانية، بل في الواقع اليمني الذي جعل أبناءه مشاريع ضحايا في كل مكان.

حين يفقد الإنسان وطنه وفرصته وكرامته، يصبح مستعداً للمخاطرة بحياته في أي طريق، حتى لو كان الطريق ينتهي في ساحات الحرب أو خلف قضبان الأسر.

ولعل أكثر ما يوجع في هذه القضية هو شعور الشباب اليمني بأنه متروك لمصيره. لا مؤسسات تحميه، ولا اقتصاد يحتويه، ولا مستقبل واضح ينتظره. ولذلك تتحول الهجرة بالنسبة للكثيرين إلى محاولة أخيرة للنجاة، لكنها أحياناً تكون بداية النهاية.

اليوم، بينما تتداول وسائل الإعلام ومواقع التواصل صور الأسرى والمقاتلين والجبهات، هناك أسر يمنية تعيش رعباً يومياً، تخشى أن يظهر ابنها في فيديو جديد، أو يصلها خبر مقتله أو اختفائه. هناك أمهات ينتظرن مكالمة تطمئن قلوبهن، وآباء يخفون دموعهم خوفاً من الانهيار، وأطفال لا يفهمون لماذا اختفى إخوتهم في بلاد بعيدة لا يعرفون حتى اسمها جيداً.

إن العالم الذي يتحدث كثيراً عن حقوق الإنسان، مطالب اليوم بالنظر إلى هذه المأساة بعين أكثر إنصافاً. فالشباب اليمني ليسوا مرتزقة بطبيعتهم، ولا عشاق حروب، بل ضحايا واقع سحق أحلامهم ودفعهم نحو المجهول. هم أبناء بلد جائع ومحاصر ومنهك، حاولوا الهروب من المأساة، فوقعت المأساة فوق رؤوسهم مرة أخرى.

ويبقى السؤال الأكثر قسوة:
كم شاباً يمنياً يجب أن يسقط أو يؤسر أو يختفي حتى يتحرك الجميع لإنقاذ ما تبقى من جيل كامل يُدفع نحو الضياع؟
إن إنقاذ الشباب اليمني اليوم لم يعد مجرد قضية سياسية، بل ضرورة إنسانية عاجلة. لأن استمرار هذا النزيف يعني أن اليمن لا يخسر أبناءه فقط، بل يخسر مستقبله بالكامل.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار