نساء تعز على قارعة الألم… حين يصبح البحث عن الماء والمأوى معركة من أجل الكرامة

موسى المليكي

في تعز، المدينة التي عُرفت عبر تاريخها بالنخوة والشهامة والوقوف مع المظلوم، يقف اليوم مشهد مؤلم يختبر ضمير الجميع: نساء وأطفال يفترشون الشارع، بلا سقف يحميهم من قسوة الظروف، بلا ماء يكفي حاجتهم، بلا غذاء يسد جوعهم، وبلا دواء يخفف عن أجساد أنهكها المرض والتعب.
لليوم الرابع على التوالي، ما تزال هذه الأسر تعيش في العراء، في ظروف لا تليق بكرامة الإنسان ولا تنسجم مع أبسط مبادئ الرحمة والإنسانية. ثماني نساء يواجهن الحمى الفيروسية والالتهابات وأعراضًا صحية مختلفة نتيجة البقاء في بيئة تفتقر لأدنى شروط الحياة الصحية، دون مأوى يحفظ خصوصيتهن، ودون رعاية طبية تخفف معاناتهن، ودون حماية تضمن لهن ولأطفالهن حقهم الطبيعي في الأمان.

أي وطنٍ نتحدث عنه حين تصبح الأم عاجزة أمام أعين أطفالها، لا تستطيع أن تمنحهم شربة ماء عند العطش، أو لقمة طعام عند الجوع، أو مكانًا آمنًا يقيهم برد الليل وحرارة النهار؟
أي معنى للكرامة يبقى حين تقف المرأة، التي كانت ولا تزال أساس الأسرة والمجتمع، وحيدة أمام قسوة الحاجة، تحمل خوف أطفالها فوق خوفها، وتصبر على ألمها كي لا ينكسروا أمامها؟
لقد تم إيصال حقيقة الوضع إلى الجهات الموجودة في الموقع، وتم توضيح حجم الخطر الذي يهدد النساء والأطفال، لكن استمرار المعاناة يفرض على الجميع مسؤولية أكبر، ويجعل التدخل العاجل ضرورة لا تحتمل التأجيل. فهذه ليست مجرد حالة إنسانية عابرة، وليست مشكلة أسرة واحدة يمكن تجاهلها، بل هي اختبار حقيقي لأخلاق المجتمع وضمير المسؤولين.

نناشد القضاء، والسلطة المحلية، والجهات المختصة، والمنظمات الإنسانية، وكل صاحب ضمير حي، أن يتحملوا مسؤولياتهم وأن يتحركوا فورًا لرفع هذا الضرر، وتوفير المأوى والرعاية الصحية والمياه والغذاء وكل ما يحفظ لهؤلاء النساء والأطفال حقهم في حياة كريمة.

فماذا يمكن أن يكون أكثر وجعًا من رؤية أمٍّ تحاول أن تبدو قوية أمام أطفالها، بينما هي من الداخل تصارع الخوف والعجز؟
ماذا أقسى من طفلٍ لا يعرف لماذا أصبح الشارع مكان نومه، ولماذا أصبحت أبسط حقوقه حلمًا بعيدًا؟
إن كرامة المرأة ليست قضية تخص أسرة بعينها، ولا شأنًا خاصًا يمكن تجاوزه بالصمت، بل هي مرآة تعكس كرامة المجتمع كله. حين تُهان امرأة، وحين يُترك طفل بلا مأوى أو حماية، فإن الجرح لا يصيب بيتًا واحدًا فقط، بل يمتد ليصيب ضمير مجتمع بأكمله.
أيها الرجال…

الرجولة ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل موقف يظهر عندما يحتاج المظلوم إلى من يقف بجانبه، وعندما تحتاج المرأة إلى من يحفظ كرامتها، وعندما يحتاج الطفل إلى يد تمتد إليه بالحماية والرحمة.
التاريخ لا يتذكر الذين مرّوا بجانب الألم واكتفوا بالمشاهدة، بل يتذكر أولئك الذين اختاروا أن يكونوا صوتًا للحق، ويدًا للنجدة، وسندًا لمن لا يملك القوة للدفاع عن نفسه.

وفي وسط هذا المشهد القاسي، تبقى هناك صور مشرقة تستحق أن تُذكر.

كل الشكر والتقدير للشابين الكريمين اللذين تحركا بما استطاعا، وقدّما وجبات للنساء والأطفال الذين يفترشون الشارع. لقد أثبتا أن الإنسانية لا تحتاج إلى ثروة، وأن الشهامة لا تُقاس بما يملك الإنسان، بل بما يقدمه عندما يرى محتاجًا أمامه.
لقد أعادا تذكير الجميع بأن تعز ما زالت تحمل في أبنائها قلوبًا تعرف معنى الفزعة، وأن الرحمة لا تزال موجودة رغم قسوة الأيام. فالمواقف العظيمة لا تُكتب بكثرة الحديث عنها، بل بما يتركه أصحابها من أثر في حياة الآخرين.

لكن الجهود الفردية، مهما كانت نبيلة، لا يمكن أن تكون بديلًا عن مسؤولية الجهات المعنية. فهذه الأسر تحتاج إلى حل يحفظ كرامتها، لا إلى مساعدة مؤقتة تنتهي بانتهاء اللحظة. تحتاج إلى مأوى آمن، ورعاية صحية، وحماية قانونية وإنسانية، ووقفة جادة تمنع استمرار هذا الألم.

رسالتنا إلى الرأي العام:
لا تتركوا نساء تعز وحدهن في مواجهة هذا المصير.
اليوم لا يحتجن فقط إلى كلمات التعاطف، بل يحتجن إلى مواقف حقيقية تعيد إليهن حقهن في السكن والأمان والعيش الكريم. يحتجن إلى من يسمع صوتهن، ويرى معاناتهن، ويتحرك قبل أن تتحول المأساة إلى جرح أعمق.
فالمرأة ليست رقمًا في خبر، والطفل ليس صورة عابرة، والأسرة ليست حالة يمكن نسيانها.

إن حفظ كرامة المرأة وحماية الطفل ليست مسؤولية فئة معينة، بل مسؤولية وطن كامل.

حين تُصان كرامة المرأة يُكرّم المجتمع كله، وحين تُهدر كرامتها يخسر الوطن جزءًا من إنسانيته.

فهل تصل الرسالة قبل أن يطول الانتظار؟
وهل تتحول هذه المناشدة إلى فعل ينقذ من بقي في العراء؟
الوقت لا ينتظر… والإنسانية لا تحتمل مزيدًا من الصمت.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار