عندما هزّت الكاميرا ضمير الواقع.. هل أشعل دور تمثيلي شرارة مواجهة الحقيقة؟

موسى المليكي
أحيانًا لا يكون المشهد الذي يُكتب على الورق مجرد تمثيل، ولا تكون الكاميرا مجرد أداة لتسجيل قصة خيالية، بل تتحول للحظة إلى مرآة تعكس وجعًا موجودًا في الواقع. وهذا ما جعل دور الفنان أحمد الجيشي في مسلسل “دروب المرجلة” يثير الكثير من الجدل، بعدما قدّم شخصية إنسان تائه ومنهار أخلاقيًا، يفرّط في أهله ويتحول إلى أداة بيد العصابة التي تمارس القمع والإذلال.
الشخصية التي جسّدها الجيشي لم تكن مجرد دور لشخص سيئ في عمل درامي؛ فقد حملت داخلها صورًا قاسية لمعاني الخيانة والخذلان، حين يصبح الإنسان مستعدًا للتخلي عن أقرب الناس إليه، بل والمشاركة في ظلمهم. مشاهد الإهانة والخوف والانكسار التي عاشتها الشخصية داخل العمل جعلت المشاهد أمام سؤال أكبر من حدود المسلسل: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد كرامته ويقبل أن يكون جزءًا من آلة الظلم؟
ويبدو أن الممثل نفسه لم يخرج من التجربة كما دخلها. فهناك أدوار لا تنتهي بانتهاء التصوير، لأنها تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في من يجسدها. ربما وجد الجيشي في تلك الشخصية صورة مؤلمة لواقع يتجاوز حدود السيناريو، ورأى أن ما يُعرض كمشهد درامي هو في أماكن أخرى واقع يعيشه الناس يوميًا تحت وطأة القمع والخوف والانتهاكات.
وهنا تحولت الدراما من مجرد حكاية إلى رسالة، ومن أداء فني إلى موقف. فالممثل الذي لعب دور شخص فاقد للضمير، وجد نفسه أمام مسؤولية أن يعلن رفضه للواقع الذي يشبه تلك المشاهد، وكأن الشخصية التي أداها أعادت إليه معنى الكرامة التي كانت غائبة داخل أحداث المسلسل.
قد تكون هذه هي قوة الفن الحقيقية؛ أن يجعل الإنسان يرى ما اعتاد عليه وكأنه يراه لأول مرة. فربما مشهد واحد قادر على إيقاظ إحساس خمدته السنوات، وربما قصة خيالية تستطيع أن تفتح أعينًا أغلقتها الحسابات والخوف والمصالح.
ولو كان التمثيل قادرًا على إيقاظ الضمائر بهذا الشكل، فربما يحتاج بعض المشاهير الذين اعتادوا الصمت أمام معاناة الناس إلى الوقوف أمام الكاميرا في أدوار مختلفة؛ أدوار تجعلهم يعيشون لحظات الخضوع والخوف والتبرير، لعلهم يرون أنفسهم من زاوية أخرى، ويدركون أن التاريخ لا يتذكر فقط من امتلك الشهرة، بل من امتلك الشجاعة في اللحظات الصعبة.
فربما يحتاج من اعتاد تبرير الظلم إلى دور يجعله يفهم معنى المظلوم، ومن اعتاد الصمت إلى دور يجعله يسمع صدى صمته، ومن اعتاد الانحناء إلى دور يذكره بأن الإنسان يفقد الكثير حين يتخلى عن كرامته.
إنها مفارقة عجيبة: أحيانًا تكون الكاميرا أكثر إزعاجًا للظلم من الخطب الطويلة، لأن الصورة لا تناقش فقط العقل، بل تصطدم بالمشاعر. وقد يكون مشهد تمثيلي واحد قادرًا على طرح أسئلة لا تستطيع مئات الكلمات إيصالها.
فهل كانت الدراما مجرد تمثيل؟ أم أنها في لحظة ما تحولت إلى شرارة وعي؟
هل يمكن لشخصية خيالية أن تدفع إنسانًا لمراجعة موقفه من واقع حقيقي؟
ربما لا تملك الكاميرا رصاصة، لكنها تملك شيئًا آخر: القدرة على كشف ما يحاول البعض إخفاءه.
وفي النهاية، يبقى الفن شاهدًا على زمنه؛ إما أن يكتفي برواية القصص، أو يصبح جزءًا من صناعة الوعي. وربما تكون أخطر لحظة في أي عمل درامي هي تلك التي يتوقف فيها المشاهد عن رؤية الممثل، ويبدأ في رؤية الحقيقة خلف الشخصية.
أحيانًا… لا توقظ الإنسانَ طلقة، بل توقظه مرآة.



