ضربني… ثم جاء يسألني: لماذا لم تعد تثق بي؟

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
سبحان الله… صدق المثل العربي الذي يقول: “ضربني وبكى وسبقني بالشكوى.” لكن يبدو أن السياسة في منطقتنا تجاوزت هذا المثل، وأضافت إليه فصلًا جديدًا: “اضربه… ثم طالبه بالولاء، وإن رفض فاتهمه بالخيانة”.
جلست مع بعض الأصدقاء، أو بالأصح مع أولئك الذين لا يعترفون بالمبادئ إلا إذا وافقت اتجاه الريح… لا يزعجهم تبدل المواقف، ولا يؤرقهم تناقض الأمس مع اليوم، فهم لا يبحثون عن الحرية بقدر ما يبحثون عن سيد جديد.
قال لي أحدهم:
يا أسعد أبو الخطاب… هل تتوقع أن تشارك القوات الجنوبية؟
ابتسمت ابتسامة تشبه الحزن أكثر مما تشبه السخرية، وقلت:
حسب وجهة نظري ولماذا تشارك؟
هل يطلب من الجنوبيين أن ينسوا تاريخهم وآلامهم وحقوقهم وتضحياتهم، فقط لإرضاء السياسيين أو لخدمة مصالحهم؟
هل يطلب من الجندي الجنوبي أن يدفن ذكرياته قبل أن يحمل سلاحه؟
وهل تتحول الدماء إلى حبر جاف بمجرد أن تتغير البيانات السياسية؟
هناك أحداث عاشها كثير من الجنوبيين ما زالت حاضرة في ذاكرتهم، ويرون أنها تركت جراحًا عميقة خلال التوترات العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، وما رافقها من استهداف بالطيران الحربي التابع للمملكة العربية السعودية حيث تسبب بخسائر بشرية ومعدات عسكرية، وهي وقائع ما تزال محل خلاف سياسي وروايات متباينة بين الأطراف.
ثم يأتي من يسأل باستغراب:
لماذا لا تقاتلون معنا؟
أي سؤال هذا؟
قبل أن تسألني عن البندقية… اسألني عن الجرح.
قبل أن تطلب مني الاصطفاف… اسأل نفسك:
هل حاولت يومًا أن تعالج أسباب انعدام الثقة؟
ماذا نقول لذلك الضابط الجنوبي الذي فقد أخاه؟
وماذا نقول لذلك الجندي الجنوبي الذي عاد إلى منزله وقد ترك إحدى ساقيه في ساحة المعركة؟
وماذا نقول لطفل جنوبي ينتظر أبًا لن يعود؟
هل نقول لهم:
انسوا… فالسياسة تغييرت؟
وهل تمحى الندوب ببيان صحفي؟
وهل تعاد الأطراف المبتورة بمؤتمر سياسي؟
إن أكثر ما يؤلم ليس الحرب وحدها، بل أن يطلب من الجريح الجنوبي أن يبتسم، ومن المكلوم أن يصفق، ومن الذي فقد أعز الناس إليه أن يتصرف وكأن شيئًا لم يكن.
لقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قهر الرجال، لأن القهر لا يكسر العظام فقط، بل يكسر الثقة، وإذا انكسرت الثقة فلا تعود بالشعارات ولا بالخطب.
إن من يريد شراكة حقيقية، عليه أولًا أن يدرك أن احترام الإنسان يبدأ باحترام ألمه، وأن المصالحة لا تبنى على النسيان القسري، بل على الصراحة، والاعتراف، ومعالجة أسباب الخلاف.
وفي النهاية.:
ليس السؤال الحقيقي:
لماذا لا تشارك القوات الجنوبية؟
بل السؤال الذي يجب أن يطرح هو:
كيف يطلب من إنسان أن يثق مجددًا، بينما لم يعترف بعد بما يراه سببًا لفقدان تلك الثقة؟
فالتاريخ لا يموت، والذاكرة لا تقصف، والكرامة لا تساوم.
وقد ينسى السياسيون ما قالوه بالأمس… لكن أمًا فقدت ابنها، أو جنديًا عاد بجسد مثقلٍ بالإصابات، أو أسرة ما زالت تنتظر اعترافًا بآلامها… لا يمكن أن يطلب منهم أن ينسوا ، قد تطوى الملفات سياسيًا، لكن دموع الأمهات وجراح الجنود لا تطوى ولا تنسى.



