خذوا الوطن… واتركوا لنا حقَّ الحلم

موسى المليكي
ليس أقسى على الإنسان من أن يتحول حقه إلى منحة، وأن يصبح حلمه مشروع استجداء، وأن يقف على أبواب المسؤولين طالبًا ما كفله له تعبه، لا فضلًا من أحد.
خذوا الوطن بما فيه…
خذوا المناصب، والوجاهة، والمواكب، والامتيازات، وكل ما تتصارعون عليه.
خذوا الكراسي التي تتبدل شاغلوها، وخذوا الألقاب التي يطويها الزمن، وخذوا كل ما ترونه مكسبًا.
أما نحن…
فاتركوا لنا بابًا واحدًا فقط…
باب العلم.
لا نريد أكثر من منحة دراسية نكمل بها طريقًا بدأناه بعرق السنين.
لا نطلب قصورًا، ولا سيارات، ولا حسابات ممتلئة، ولا امتيازات استثنائية.
نطلب فرصة.
فرصة فقط…
وهل أصبح طلب الفرصة جريمة؟
درسنا تحت أزيز الحرب، وعلى ضوء الشموع، وفي جامعات أنهكتها الأزمات. حفظنا الكتب بينما كانت الحياة تمتحن صبرنا كل يوم. قاومنا الفقر، وواجهنا الإحباط، وصبرنا على الحرمان، وآمنا أن العلم هو الطريق الوحيد الذي لا يخون صاحبه.
وحين وصلنا إلى نهاية الطريق…
وجدنا أن الطريق لم يكن للكفاءة أصلًا.
كان للأسماء.
وللعائلات النافذة.
ولأصحاب الهواتف التي تفتح الأبواب المغلقة.
أما المتفوق الذي لا يملك إلا شهادته…
فمكانه في آخر الصف.
أي وطن هذا الذي يخشى أبناءه المتفوقين أكثر مما يخشى الجهل؟
وأي عدالة تسمح لمن يملك المال والسلطة أن ينافس من لا يملك إلا حلمه؟
كيف يقف ابن المسؤول، الذي يستطيع أن يدرس في أي جامعة يشاء على نفقة أسرته، في الطابور نفسه مع ابن العامل والفلاح والموظف البسيط الذي يرى في المنحة نافذته الوحيدة نحو المستقبل؟
بأي ميزان توزن هذه العدالة؟
وأي ضمير يطمئن إليها؟
لقد أصبح التفوق في بلادنا شهادة لا تفتح بابًا، بل تزيد صاحبها حسرة.
وأصبح الطالب الفقير مطالبًا بما هو أصعب من الدراسة نفسها.
لا يكفي أن ينجح.
ولا يكفي أن يتفوق.
ولا يكفي أن يسهر الليالي.
بل عليه أن يبحث عن واسطة.
وعن توصية.
وعن انتماء.
وعن اسم نافذ يسبق اسمه.
كأن الوطن لم يعد يسأل: “ماذا تعرف؟”
بل يسأل: “من تعرف؟”
أي مأساة أكبر من أن يتحول مستقبل الشباب إلى قائمة انتظار أمام أبواب النفوذ؟
وأي كارثة أعظم من أن يشعر المتفوق أن شهادته أقل قيمة من بطاقة تعريف تحمل اسمًا نافذًا؟
إن أخطر أنواع الفساد ليس الذي يسرق المال فقط…
بل الذي يسرق الفرص.
فالمال قد يُعوَّض.
أما الفرصة إذا ضاعت، فقد يضيع معها عمر كامل.
قد تضيع معها حياة طبيب كان سينقذ الآلاف.
أو مهندس كان سيبني وطنًا.
أو باحث كان سيقدم علمًا.
أو معلم كان سيصنع أجيالًا.
حين يُقصى أصحاب الكفاءة، لا يُظلم أفراد فقط…
بل يُظلم مستقبل وطن بأكمله.
ثم نسأل بعد ذلك: لماذا هاجر المبدعون؟
ولماذا هربت العقول؟
ولماذا تراجع التعليم؟
الإجابة بسيطة…
لأننا لم نحسن الاحتفاظ بمن يستحقون.
لا نطلب المستحيل.
ولا نطلب امتيازًا على أحد.
بل نطلب أن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، لا القرابة.
والتفوق، لا النفوذ.
والاستحقاق، لا المجاملة.
إن المنح الدراسية ليست هبات شخصية يمنحها مسؤول لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء.
وليست غنائم توزع بين أصحاب النفوذ.
وليست مكافآت للموالاة أو الانتماء.
إنها استثمار في مستقبل الوطن، قبل أن تكون استثمارًا في مستقبل الطالب.
فإذا أُعطيت لغير مستحقيها، فإن الخاسر الحقيقي ليس الطالب وحده…
بل الوطن كله.
خذوا الوظائف…
خذوا الامتيازات…
خذوا الصفقات…
خذوا كل ما تختلفون عليه.
أما نحن…
فاتركوا لنا العلم.
اتركوا لنا نافذة نعبر منها إلى المستقبل.
اتركوا لنا حقنا في أن نحلم.
فنحن لا نريد أن نتسلق على أكتاف أحد.
ولا أن نصفق لمسؤول طمعًا في مقعد دراسي.
ولا أن نبيع ضمائرنا مقابل توقيع.
كرامتنا ليست للبيع.
وأحلامنا ليست سلعة في سوق الولاءات.
سنبقى نؤمن أن العلم أسمى من المناصب، وأن المعرفة أبقى من النفوذ، وأن التاريخ لا يخلّد أصحاب الكراسي بقدر ما يخلّد أصحاب العقول.
وإن كان هذا الوطن قد ضاق بأحلام أبنائه…
فخذوا الوطن كله.
لكن اتركوا لنا حقًا واحدًا لا ينبغي أن ينازعنا فيه أحد…
حق أن نتعلم، وحق أن نثبت أن الفقير المتفوق يستطيع أن يرفع وطنًا بأكمله، إذا وجد فرصة عادلة.
لسنا طلاب شفقة…
ولا باعة مواقف…
ولا متسولين على أبواب المسؤولين.
نحن أبناء هذا الوطن.
ومن حقنا أن نُعامل بالعدل.
فالوطن الذي يغلق أبواب العلم في وجه أبنائه، لا يطردهم من الجامعات فقط…
بل يطرد المستقبل من أرضه.



