حين تتجاوز المبادرات أطفال الشراجة… من ينصف مدرسة الشعب عكاد؟

موسى المليكي

ليست المشكلة في أن يرمم بنك الكريمي مدرستين في مدينة تعز بكلفة بلغت 160 مليون ريال، بل على العكس، فكل مبادرة تستهدف التعليم تستحق التقدير، وكل ريال يُنفق لبناء الإنسان هو استثمار في مستقبل الوطن.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن لمبادرات الخير أن تعبر الطرقات، وتتجاوز الجبال، وتصل إلى أماكن بعيدة، بينما تعجز عن الوصول إلى مدرسة لا تبعد سوى خطوات عن جذور الحكاية؟

هنا يكمن جوهر القضية.

ففي عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي، ما تزال مدرسة الشعب عكاد تمثل واحدة من أكثر صور الإهمال إيلامًا. أكثر من عشر سنوات، وأطفالها يتلقون تعليمهم في مبانٍ متهالكة، وفصول مهددة بالانهيار، أو في العراء، وكأن حقهم في التعليم الآمن ترف يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

ليس هذا المقال دعوة لمصادرة جهود الآخرين، ولا محاولة للتقليل من قيمة أي مبادرة، وإنما هو دعوة لإعادة ترتيب البوصلة. فالمبادرات المجتمعية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تصل إلى الأماكن الأكثر احتياجًا، لا إلى الأماكن الأكثر حضورًا في المشهد.

ومن هذا المنطلق، فإن عتابنا لبنك الكريمي، باعتباره مؤسسة لها جذور اجتماعية في جبل حبشي، هو عتاب المحب لا الخصم. كان من الجميل أن تبدأ المبادرات من حيث بدأت العلاقة بالمكان، وأن يكون لأطفال الشراجة نصيب من هذا العطاء، فهم أولى من غيرهم بمن يمد لهم يد الإنصاف.

ولا تقتصر القصة على المدرسة وحدها. فإلى جوارها يقف ملعب النويهي، الذي أُعلن قبل سنوات عن مشروع إعادة تأهيله تحت مسمى نادي السهام الرياضي، ثم اختفى المشروع كما اختفت مشاريع كثيرة أُعلن عنها ولم ترَ النور. ولسنا هنا بصدد توزيع الاتهامات، فقد تكون هناك تعقيدات إدارية أو أولويات رسمية أو عراقيل لا يعلمها الناس، لكن النتيجة بالنسبة للمواطن واحدة: مشاريع مؤجلة، ووعود تتكرر، وواقع لا يتغير.

المؤلم أن الشراجة تبدو وكأنها خارج خارطة التنمية. ففي الوقت الذي شهدت فيه مناطق عديدة تنفيذ مشاريع تعليمية وخدمية وتنموية، بقيت هذه العزلة تنتظر دورها عامًا بعد آخر، حتى أصبح الانتظار نفسه مشروعًا دائمًا.

أي رسالة يتلقاها طفل يرى مدرسته تتداعى، بينما يسمع كل يوم عن مشاريع تُفتتح في أماكن أخرى؟ وأي شعور يتولد لدى أسرة تشاهد أبناءها يذهبون إلى مدرسة لا توفر الحد الأدنى من الأمان؟

إن التنمية لا تُقاس بعدد المشاريع، وإنما بعدالة توزيعها. والنجاح لا يُقاس بحجم المبالغ المعلنة، بل بقدرة تلك المبالغ على الوصول إلى من هم أشد احتياجًا.

إن أطفال مدرسة الشعب عكاد لا يطلبون امتيازات، ولا يبحثون عن معاملة خاصة. كل ما يريدونه هو سقف يحميهم، وفصل دراسي يليق بإنسانيتهم، وحقهم الطبيعي في بيئة تعليمية آمنة، وهو حق تكفله القيم قبل القوانين.

هذه ليست مناشدة لبنك الكريمي وحده، بل رسالة إلى السلطة المحلية، وإلى رجال الأعمال، وإلى المنظمات، وإلى كل من يرفع شعار المسؤولية المجتمعية. فالمسؤولية لا تكتمل إلا عندما تصل إلى الأماكن التي لا يصل إليها الضوء.

قد تكون 160 مليون ريال قد صنعت الفارق في مدرستين داخل المدينة، لكن مدرسة الشعب عكاد ما تزال تنتظر مبادرة واحدة فقط… مبادرة تعيد إليها الحياة، وتعيد إلى أطفالها الشعور بأنهم ليسوا خارج حسابات الجميع.

فالخير الحقيقي لا يُقاس بما يُنفق، وإنما بمن يصل إليه.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار