حين يصبح الخصم خارج الحدود… ويولد الخطر من الداخل

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب

هناك فرق شاسع بين الناقد الذي يريد إصلاحًا، وبين من لا يرى في وطنه إلا ما يسيء إليه.

فالأول يختلف لأنه يريد الأفضل، أما الثاني فيبدو وكأنه لا يبتسم إلا عندما يتعثر أبناء وطنه، ولا يصفق إلا عندما يظن أن خصومهم قد انتصروا عليهم.

تاريخ الشعوب يروي حقيقة لا تتغير: ليست كل الهزائم بدأت من خارج الأسوار، بل إن كثيرًا منها بدأ يوم انشغل أبناء الوطن بإضعاف بعضهم بعضًا أكثر من انشغالهم بمواجهة خصومهم.

وفي الجنوب، يبقى الخلاف السياسي حقًا مشروعًا، لكن المقلق هو أن يتحول عند البعض إلى حالة دائمة من التشكيك في كل خطوة، والطعن في كل إنجاز، وكأن نجاح أبناء الجنوب خسارة شخصية، وتعثرهم انتصار سياسي.

إن التاريخ يقدم أمثلة لا تحصى.

فـالأندلس لم تضيع في يوم واحد، بل سبق سقوطها سنوات من الانقسام والصراعات الداخلية حتى أصبح الخصم يستفيد من خلافات أهلها أكثر مما يستفيد من قوته.

والإمبراطورية الرومانية لم تنهر بقوة السيوف وحدها، بل أضعفتها الانقسامات والصراع على النفوذ قبل أن تسقط.

أما حصان طروادة، فقد بقي رمزًا خالدًا لفكرة واحدة: ليس كل خطر يأتي من الخارج، فبعض الأخطار تدخل متخفية بالشعارات والكلمات، ثم تفتح الأبواب من الداخل.

وفي المشهد الجنوبي، قد يتحول الخلاف السياسي أحيانًا إلى سباق في التشكيك، حتى يصبح البعض أسرع في التقليل من أي إنجاز من سرعة اعترافه به، وأسرع في تضخيم أي إخفاق من سرعة البحث عن حلول له.

وعندما يصبح الجدل غاية، تتراجع المصلحة العامة إلى الصفوف الخلفية.

لا أحد يطلب من الناس أن يتفقوا على كل شيء، فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة السياسية.

لكن هناك فرقًا بين النقد الذي يسعى إلى الإصلاح، والخطاب الذي لا يرى إلا الهدم، ولا يقدم بديلًا، ولا يفرح إلا حين تتسع دائرة الانقسام.

لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تقاس بعدد خلافاتها، بل بقدرتها على إدارة تلك الخلافات دون أن تجعلها طريقًا إلى إضعاف نفسها.

فالقضايا الكبرى لا تنتصر بالشعارات وحدها، بل بالحفاظ على وحدة الصف، واحترام الاختلاف، وتقديم المصلحة العامة على الخصومات.

وفي النهاية، سيظل التاريخ يكتب بالحبر نفسه:
قد يكسب الإنسان معركة إعلامية، لكنه يخسر وطنًا إذا جعل الانقسام غاية، وقد يربح جدل اليوم، لكنه يخسر احترام الأجيال إذا تحولت الخصومة السياسية إلى خصومة مع أبناء وطنه.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار