لماذا نشعر بالضيق أحيانًا دون سبب.. الحقيقة التي لا ينتبه إليها معظم الناس

موسى المليكي

هناك أيام نستيقظ فيها وكأن شيئًا ثقيلًا يجثم على صدورنا. لا خبرًا مؤلمًا وصلنا، ولا خسارة تعرضنا لها، ولا مشكلة كبيرة تستحق كل هذا الانقباض، ومع ذلك نشعر أن الحياة فقدت شيئًا من نورها، وأن القلب لم يعد كما كان بالأمس.
ننظر حولنا فلا نجد سببًا واضحًا، فنبدأ في رحلة البحث عن تفسير. هل حدث شيء لم أنتبه إليه؟ هل أنا أبالغ؟ هل هذا ضعف؟ أم أنني أصبحت شخصًا متشائمًا؟
والحقيقة أن الإنسان أعقد بكثير من أن تُفسَّر مشاعره بسبب واحد مباشر.
فالإنسان ليس آلة ميكانيكية تستجيب للمدخلات والمخرجات بطريقة ثابتة، وإنما هو عالم متشابك تتداخل فيه النفس والعقل والجسد والروح والذكريات والعلاقات والعادات اليومية. وما نشعر به اليوم قد يكون نتيجة أسابيع أو أشهر من التراكمات الصامتة التي لم نلتفت إليها وهي تتشكل داخلنا.
إن الضيق الذي يأتي بلا سبب واضح، في كثير من الأحيان، لم يأتِ من فراغ.
ربما كان نتيجة إرهاق طويل اعتدنا عليه حتى أصبح طبيعيًا في نظرنا. وربما لأننا عشنا أيامًا متتابعة دون راحة حقيقية، نظن أننا نستريح بينما عقولنا لا تتوقف عن التفكير، وأيدينا لا تفارق الهواتف، وأعيننا لا تغادر الشاشات.
قد يكون العقل قد وصل إلى مرحلة التشبع، فلم يعد يحتمل المزيد من الضوضاء، لكنه لا يجد لغة يعبر بها إلا ذلك الشعور الغامض بالضيق.
وربما كانت النفس قد أرهقتها الضغوط الصغيرة.
فالإنسان لا تنهكه المصائب الكبرى وحدها، بل قد تستنزفه التفاصيل اليومية التي يستهين بها. موعد يتأخر، رسالة مزعجة، مسؤوليات متراكمة، نوم غير كافٍ، مقارنة مستمرة بالآخرين، قلق على المستقبل، انشغال لا ينتهي… كل واحدة منها تبدو بسيطة، لكنها مع الوقت تتجمع كقطرات الماء التي لا تكسر الصخرة دفعة واحدة، بل بتكرارها المستمر.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان اليوم هو الضجيج.
ضجيج الأخبار، وضجيج مواقع التواصل، وضجيج المقارنات، وضجيج السرعة التي أصبحت تفرض علينا أن ننتقل من مهمة إلى أخرى، ومن فيديو إلى آخر، ومن إشعار إلى إشعار، حتى فقدت النفس قدرتها على السكون.
لقد أصبح كثير من الناس يخافون من الصمت.
فبمجرد أن يجد الإنسان دقائق فارغة، يمد يده تلقائيًا إلى هاتفه، وكأن الفراغ عدو يجب القضاء عليه، بينما كانت تلك اللحظات الهادئة هي أكثر ما يحتاجه القلب ليستعيد توازنه.
وليس الضجيج الخارجي وحده هو المشكلة، بل الضجيج الداخلي أيضًا.
ذلك الحوار المستمر داخل العقل، والأسئلة التي لا تنتهي، والندم على الماضي، والخوف من المستقبل، والقلق من أشياء لم تقع بعد.
كل ذلك يستهلك طاقة الإنسان دون أن يشعر، حتى يأتي يوم يستيقظ فيه مثقلًا بالحزن، وهو لا يعرف لماذا.
ومن الجوانب التي يغفل عنها كثيرون، الجانب الروحي.
فالروح، كما يحتاج الجسد إلى الطعام، تحتاج هي الأخرى إلى غذائها. تحتاج إلى ذكر يطمئنها، ودعاء يخفف عنها، وقرآن يحييها، وسجدة طويلة تفرغ ما في القلب، وخلوة صادقة مع الله بعيدًا عن أعين الناس.
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
وهذه ليست مجرد عبارة جميلة، بل حقيقة يعيشها كل من جعل لروحه نصيبًا ثابتًا من القرب من الله.
وحين تضعف هذه الصلة، قد يشعر الإنسان بجفاف داخلي لا يملؤه مال، ولا منصب، ولا ترفيه، ولا كثرة الناس من حوله.
ومن الأخطاء الشائعة أن نتعامل مع الضيق على أنه عدو يجب الهروب منه بأي ثمن.
فنفتح الهاتف لساعات، أو نغرق في مشاهدة المقاطع، أو نخرج بلا هدف، أو نشتري ما لا نحتاج، أو نملأ جدولنا بالمزيد من الانشغالات حتى لا نبقى وحدنا مع أنفسنا.
لكن المشاعر التي نهرب منها لا تختفي.
إنها تنتظر فقط اللحظة التي نصمت فيها لتعود من جديد، وربما بصورة أقوى.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف أتخلص من هذا الشعور بسرعة؟
بل: ماذا يريد هذا الشعور أن يخبرني؟
فقد يكون الضيق رسالة بأنك تحتاج إلى الراحة.
أو أنك أهملت صحتك.
أو أنك تحمل فوق طاقتك ما ليس مطلوبًا منك.
أو أن علاقتك بأحد تحتاج إلى إصلاح.
أو أنك تؤجل قرارًا مهمًا تعرف في داخلك أنه لا يحتمل التأجيل.
وربما كانت الرسالة أعمق من ذلك كله… أن حياتك أصبحت تمضي بسرعة بينما قلبك لم يعد حاضرًا فيها.
إن الإنسان الحكيم لا يفزع من هذه اللحظات، ولا يبني عليها أحكامًا قاسية على نفسه، ولا يظن أن حياته انتهت لمجرد يوم أو يومين من الضيق.
بل يستقبلها بهدوء.
يعطي جسده حقه من النوم.
ويخرج إلى الهواء الطلق.
ويخفف من ضجيج الأجهزة.
ويتحدث مع شخص يثق به.
ويقرأ شيئًا ينعش عقله.
ويجلس مع نفسه بصدق.
ويجدد صلته بربه.
ثم يترك للوقت فرصة ليعيد ترتيب الفوضى التي تراكمت داخله.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن النفس البشرية تمر بدورات، كما تمر الفصول في الطبيعة.
فليس من الطبيعي أن يكون الإنسان سعيدًا طوال الوقت، كما أنه ليس طبيعيًا أن يبقى حزينًا دائمًا.
هناك أيام يعلو فيها النشاط، وأيام يحتاج فيها الإنسان إلى التمهل، وهذا جزء من طبيعة الحياة التي خلق الله الناس عليها.
لكن إذا طال الضيق، وأصبح يمنع الإنسان من أداء واجباته، أو استمر لأسابيع متواصلة، أو صاحبه فقدان الرغبة في الحياة، أو اضطرابات شديدة في النوم أو الشهية، فهنا لا ينبغي تجاهل الأمر، بل من الحكمة طلب المساعدة من مختص في الصحة النفسية، تمامًا كما نراجع الطبيب عند استمرار الألم الجسدي.
إن الاعتناء بالنفس ليس رفاهية، وليس أنانية، بل مسؤولية.
أن تنام جيدًا عبادة إذا أعانتك على أداء واجباتك.
وأن تمنح نفسك وقتًا للراحة ليس كسلًا، بل حفاظًا على توازنك.
وأن تختار صحبة صالحة تذكرك بالله ليس ترفًا اجتماعيًا، بل حماية لقلبك.
وأن تبتعد أحيانًا عن الضوضاء ليس هروبًا من الحياة، بل عودة إليها بصورة أكثر نضجًا ووعيًا.
وفي النهاية…
ليس كل ضيق يعني أن حياتك سيئة، وليس كل ابتسامة تعني أن أصحابها سعداء.
هناك معارك لا يراها أحد، وهناك قلوب تبتسم وهي مثقلة، وأخرى تصمت لأنها لم تجد من يفهمها.
لذلك كن رحيمًا بنفسك، ولا تُحمِّلها ما لا تطيق، ولا تجعل يومًا عابرًا يحكم على حياتك كلها.
تذكّر دائمًا أن القلب يحتاج إلى رعاية كما يحتاج الجسد، وأن الروح إذا سُقيت بالإيمان اطمأنت، وأن النفس إذا أُعطيت حقها من الراحة استعادت قوتها، وأن الإنسان كلما اقترب من الله، وأحسن إدارة وقته، وخفف ضجيج حياته، صار أقدر على عبور أيام الضيق بثبات، حتى يدرك أن كثيرًا من العواصف التي أخافته لم تكن إلا غيومًا عابرة في سماء الحياة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار