الحرب كضرورة للخلاص

عبد العزيز بن مسيبع
يمكن النظر إلى التحول الذي شهدته اليابان بعد عام 1945 بوصفه إحدى أبرز حالات إعادة تشكيل الوعي الجمعي في التاريخ الحديث.
فالهزيمة العسكرية، إلى جانب الدمار غير المسبوق الذي أحدثه القصف الذري لهيروشيما وناجازاكي، لم يؤديا إلى تفكيك الجيش الياباني وهيكلة النظام الإمبراطوري فحسب، بل مهدا الطريق لإعادة بناء المنظومة الفكرية والسياسية والثقافية للمجتمع الياباني.
فقد تراجعت القيم التي كانت تمجد العسكرة والتوسع الامبريالي والاستعمار، والطاعة المطلقة للإمبراطور، لتحل محلها منظومة جديدة ترتكز على السلم، والديمقراطية، والتنمية الاقتصادية.
ويمكن في هذا السياق الاستئناس بالمفهوم الذي قدمته “نعومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة” الذي يفترض أن الصدمات الكبرى، سواء كانت حروباً أو كوارث، تخلق حالة من الانهيار النفسي والاجتماعي تجعل المجتمعات أكثر قابلية لتقبل تحولات جذرية كان من الصعب فرضها في الظروف العادية.
وفي الحالة اليابانية، شكلت صدمة الهزيمة والقصف النووي لحظة تاريخية فارقة أُعيد خلالها بناء المؤسسات السياسية، وإصلاح النظام التعليمي، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، بما أدى إلى إنتاج وعي جماعي جديد يرفض الحرب ويمنح الأولوية للاستقرار والتنمية.
ولا يعني ذلك أن التحول الياباني كان نتاج القصف النووي وحده، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين الهزيمة العسكرية، والاحتلال الأمريكي، والإصلاحات الدستورية والمؤسسية التي أعقبت الحرب، غير أن حجم الصدمة التي أحدثها الدمار النووي جعلها العامل الرمزي الأكثر تأثيراً في تفكيك البنية الفكرية التي قامت عليها الإمبراطورية اليابانية، وفتح المجال أمام تشكل هوية وطنية جديدة أعادت تعريف معنى القوة، من التفوق العسكري إلى التفوق الاقتصادي والتكنولوجي.
بالنظر للوضع في اليمن، فأن ما تعيشه البلاد اليوم ليس سلاماً حقيقياً، بل حالة أكثر سلبية من الحرب؛ إذ ما تزال البنى السياسية والاجتماعية التي أفرزت الصراع قائمة، بينما تتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية؛ من هذا المنظور، انظر احياناً إلى ان هذا السلام الهش إطالةً للأزمة أكثر من كونه حلاً لها .
إذا ما اصر صناع القرار والنخب السياسية على عدم الانخراط في عملية سلام حقيقية ومستدامة، ربما يكون الحسم الشامل، مهما كانت كلفته، حتى لو كان بحرب واسعة ومد.مرة، هو الطريق الوحيد لإغلاق هذا الفصل من تاريخ اليمن وفتح فصل جديد.
فالتاريخ يبين أن المجتمعات نادراً ما تعيد تشكيل وعيها وهي عالقة في حالة اللاسلم واللاحرب، بل يحدث ذلك غالباً بعد لحظات فاصلة تُسقط البنى القديمة وتفرض واقعاً جديداً، فجذور الأزمة اليمنية ليست نتيجة تنافس سياسي بحت، بل نتيجة منظومة ثقافية واجتماعية متخلفة أنتجت مفاهيم وولاءات ضيقة على حساب مفهوم المواطنة والدولة.
فالقبلية عندما تتقدم على المواطنة، والتطرف الديني عندما يمنح الصراع شرعية مطلقة، وثقافة الثأر، وضعف الإيمان بمؤسسات الدولة والقانون، كلها عوامل ساهمت في إدامة الحرب وأعاقت بناء دولة حديثة.
ليست الفكرة تمجيداً للحرب، بل الاعتراف بأن أخطر ما قد تواجهه الأمم ليس الحرب نفسها، وإنما استدامة الصراع في صورة سلام زائف؛ سلام يوقف القتال، لكنه يُبقي أسباب الحرب حية، ويؤجل الانفجار إلى موعد آخر .
الاعتراض على أي مواجهة حاسمة بحجة الخسائر البشرية يتجاهل كلفة الواقع القائم، ففي ظل استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، يسقط ضحايا بسبب الجوع، وانهيار الخدمات، وضعف البنية التحتية، والانفلات الأمني، وتدهور الاقتصاد .
ومن هذا المنظور، لا تُقاس كلفة الصراع بعدد القتلى في ساحات القتال وحدها، بل أيضاً بالخسائر البشرية المتراكمة التي تنتج عن استمرار الأزمة دون حل، وهؤلاء ايضاً بشر، ولا يجوز التعامل مع أرواحهم ودمائهم بانتقائية أخلاقية؛ فحرمة الدم وقيمة الروح الانسانية لا تتجزأ، ولا يمكن بناء موقف أخلاقي متماسك يقوم على التفريق بين ضحايا محتملين وفق انتماءاتهم أو طريقة ووقت وفاتهم .
غير الخسائر البشرية المباشرة لحالة اللاستقرار هذه، ثمة كلفة أخرى لا تقل خطورة، ربما كثيراً ما تُغفل في النقاش العام، وهي ضياع مستقبل ملايين الأطفال والشباب؛ حيث ستنشأ أجيال في ظل تعليم متدهور، وفرص عمل شبه معدومة، واقتصاد منهار، ومؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.
وهذه خسائر بشرية وتنموية قد تفوق، على المدى البعيد، ما تخلفه الحرب المباشرة، لأنها لا تقتل الإنسان جسداً فحسب، بل قد تقتل مستقبله أيضاً، وتُنتج جيلاً جديداً يحمل أسباب الصراع إلى المستقبل بدلاً من أن يطويها.
الحرب الحاسمة، تعني إنهاء حالة التشرذم والانقسام بشكل نهائي، وفرض نتيجة سياسية واضحة تفضي إلى قيام سلطة مستقرة قادرة على إدارة الدولة، بغض النظر عن هوية المنتصر.
فغياب الحسم وإطالة أمد الصراع يؤديان إلى استمرار الفوضى، بينما يوفر الاستقرار -أيّاً كان مصدره- بيئة ضرورية للتعافي، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق التنمية.
قالوا اجدادنا قديماً :
“وجع ساعة ولا كل ساعة” .



