ابن خلدون.. هل يقتل الظلم الاعتراف قبل أن يقتل الدول : قراءة في القضية الجنوبية

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
كتب مؤسس علم الاجتماع، العالم أبن خلدون، قبل أكثر من ستة قرون عبارة ما زالت تتردد في صفحات التاريخ: الظلم مؤذن بخراب العمران.
لم يكن يقصد أن الدول تنهار فجأة، بل رأى أن تجاهل الحقوق، وإطالة الأزمات، وإدارة المشكلات بدلًا من حلها، كلها عوامل تستنزف الدولة والمجتمع حتى يضعفا من الداخل.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو القضية الجنوبية أن تأخر الحسم السياسي لقضيتهم، واستمرار غياب الاعتراف بما يصفونه بحقهم في استعادة دولتهم، يمثل صورة من صور إطالة الأزمة بدلًا من معالجتها.
ويعتبرون أن القضية الجنوبية بقيت حاضرة في المشهد السياسي منذ وحدة عام 1990م، وما أعقبها من تطورات وصراعات، وأنها لم تختفِ رغم تغير موازين القوى.
وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الدولي لا يزال يعترف رسميًا بالجمهورية اليمنية دولة واحدة، ولا يعترف بدولة جنوبية مستقلة في الوقت الراهن.
وفي نظر هؤلاء، فإن المملكة العربية السعودية، بوصفها لاعبًا رئيسيًا في الملف اليمني، كان بإمكانها الدفع نحو تسوية سياسية أكثر وضوحًا للقضية الجنوبية، إلا أن سياساتها ركزت على إدارة التوازنات والصراع ضمن إطار الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما يراه أصحاب هذا الرأي سببًا في استمرار حالة الجمود.
كما يوجه أنصار القضية الجنوبية انتقادات إلى المجتمع الدولي، معتبرين أنه يتعامل مع الجنوب العربي من منظور إدارة الأزمة والحفاظ على الإطار السياسي القائم، أكثر من تعامله مع المطالب السياسية المتعلقة بمستقبل الجنوب.
وفي المقابل، تتمسك الأمم المتحدة ومعظم الدول بموقف يدعم وحدة اليمن والتوصل إلى حل سياسي شامل، وهو ما يفسر عدم وجود اعتراف دولي بدولة جنوبية مستقلة حتى الآن.
ولو عاد العالم العربي ابن خلدون الله يرحمه، إلى زماننا، لربما كرر فكرته ذاتها: إن تجاهل القضايا لا يعني زوالها، وإن تأجيل الحلول لا يعني انتهاء أسبابها.
فهو لم يقل إن الظلم يهدم الأخلاق فقط، بل قال إنه يهدم العمران ذاته، لأن أي نظام يفقد ثقة جزء من مجتمعه يواجه تحديات متراكمة مع مرور الزمن.
والتاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن بعض القضايا السياسية استغرقت سنوات أو عقودًا قبل أن تجد طريقها إلى تسويات أو اعترافات أو ترتيبات جديدة، بينما بقيت قضايا أخرى دون حسم حتى اليوم. لذلك، فإن مستقبل القضية الجنوبية سيظل مرتبطًا بالتطورات السياسية، وبقدرة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على التوصل إلى حل يحظى بقبول واسع.
وهكذا، تبقى رسالة ابن خلدون صالحة للتأمل: الاستقرار لا يبنى بإطالة الأزمات، ولا بإهمال المطالب المتنازع عليها، بل بالسعي إلى حلول سياسية عادلة ومستدامة.
إرادة الشعوب لا تقهر، وصوت الجنوب لن يخفت، فقيام دولة الجنوب العربي هو الهدف الذي يتمسك به أنصار الاستقلال، ويواصلون نضالهم السياسي والدبلوماسي بثبات حتى ينال هذا الخيار الاعتراف الإقليمي والدولي، انطلاقًا من قناعتهم بحقهم في تقرير مصيرهم.



